سلام سالم رسن
في لحظة مفاجئة ينقطع الإنترنت فجأة لا إشعارات لا رسائل لا تحديثات عاجلة ولا أخبار تتدفق من الشاشات.
صمتٌ رقميٌّ يخيم على البيوت والشوارع وكأن العالم بأسره توقف للحظة في البداية قد يعتقد البعض أن الأمر مجرد عطل تقني عابر لكن مع مرور الوقت يتضح أن ما حدث أكبر بكثير من مجرد مشكلة تقنية؛ إنه اختبار غير متوقع لكيفية عيشنا من دون اتصال دائم.
في العراق حيث أصبح الهاتف الذكي امتدادًا لليد وعاملاً أساسيًا في الحياة اليومية يتحول انقطاع الإنترنت من مجرد إشكالية تقنية إلى حالة اجتماعية كاملة الطالب الذي يعتمد على المحاضرات الإلكترونية يجد نفسه فجأة أمام الكتب الورقية وربما لم يفتح بعضها منذ أشهر.
الموظف الذي يدير عمله عبر التطبيقات الإلكترونية يقف عاجزًا أمام شاشة بلا جدوى بينما الباعة وأصحاب المحال الذين يعتمدون على الإنترنت للتواصل مع الزبائن يشعرون بأن جزءًا من أرزاقهم قد توقف فجأة.
لكن وسط هذا الارتباك تبدأ ملامح حياة مختلفة بالظهور في بعض البيوت يجتمع أفراد العائلة حول حديث طال غيابه لأيام وأسابيع لا أحد منشغل بالهاتف ولا أحد يقطع الحوار بإشعار مفاجئ يعود صوت الضحك الحقيقي وتستعاد النقاشات المؤجلة وتختفي لحظات الانشغال التي كانت تعتاد على اقتحام حياتنا الرقمية.
في الشوارع يرفع بعض الشباب رؤوسهم عن الشاشات ويلاحظون تفاصيل ربما لم يروها منذ زمن: وجوه الناس حركة الحياة وحتى هدوء اللحظة الذي يبدو وكأنه اختفى بين سرعة التمرير على الشبكات الاجتماعية.
لكن لا يمكن تجاهل الجانب الآخر الكثيرون يشعرون بالقلق وربما بالضياع إذ أصبح الإنترنت مصدرًا أساسيًا للأخبار والعمل والتعلم وحتى للهروب من ضغوط الواقع انقطاعه يكشف مدى اعتمادنا عليه بل وربما إدماننا الخفي له يوم واحد فقط كفيل بأن يضعنا أمام هشاشة هذا الاعتماد ويجعلنا نتساءل: هل نحن نسيطر على الإنترنت أم أنه يسيطر علينا؟
في بلد مثل العراق حيث التحديات اليومية كثيرة كان الإنترنت نافذة على العالم لكنه في الوقت نفسه خلق عالمًا بديلًا قد نغرق فيه دون أن نشعر يوم بلا إنترنت على الرغم من الصعوبة التي قد يفرضها على البعض قد يكون فرصة نادرة لإعادة التوازن فرصة لتذكّر أن الحياة لا تُختصر في شاشة وأن العلاقات الإنسانية لا تُبنى فقط عبر الرسائل وأن الوقت يمكن أن يُعاش ببطء دون الحاجة إلى اتصال دائم.
مع مرور الساعات قد يعود الإنترنت إلى حياتنا وتعود معها سرعة الحياة المعتادة لكن السؤال الأهم سيبقى معلقًا: هل نحن قادرون على الانفصال عنه بإرادتنا أم أننا أصبحنا غير قادرين على العيش بدونه حتى ليوم واحد؟ وربما يكشف هذا اليوم المفاجئ عن جانب لم نلتفت إليه من قبل: أن اللحظة الحقيقية للحياة ليست فيما تتابعه على شاشاتنا بل فيما نعيشه بلا وسائط رقمية في تواصل مباشر مع من حولنا ومع أنفسنا.