الادب السياسي : توثيق تاريخ مرحلة صادمة وتطلعات واعية خلف جدار العتمة
(غيمري) .. مهارة انتقاء المشاهد واحترافية سبل التوصيل وان اعتراها التبطين
حسين الذكر
حينما تعيش اللحظة بثورية مناضل وأحساس مواطن تكون قدرتك انضج وادق بالتفصيل لترجمة تلك المشاعر المختلجة في الباطن والظاهر القسري والطوعي منه – اذ لا وجود لوجه الله في السياسة - .. من هنا انطلق الصديق جورج منصور يعبء مؤلفه الجديد ( غيمري ) بالكثير من الحكم والاقوال المأثورة عن الفلاسفة والشعراء والمفكرين الذي ينتمي لطبقتهم مناضلا على طريق الحرية ودارسا للفلسفة ومحبا للحكمة بحكم الضرورة التي تضطر الانسان ان يكون حكيما ..
ينقل الكاتب في استهلالات رحلته الطويلة الشاقة المفعمة قولا لمارك توين جاء فيه 🙁 يمكن للكذبة ان تسافر نصف العالم ، بينما الحقيقة ما زالت تلبس حذائها).
هنا لسنا بصدد رواية خيالية محكمة الشروط المهنية ، ولا هو كتاب سياسي اكاديمي ولا نص ادبي ولا مذكرات شخصية ولا منهج ديني او حزبي … مسوق علنا او تمريرا سيما في سماء الحرب الناعمة الصافية جدا في زمن العولمة .. بل نحن امام كاتب متمكن في تصوير المشاهد الراسخة في الذاكرة او الجاهشة في الضمير او تلك التي ما زالت مسطورة على ورق ابيض اعتراه اصفرار المراحل والتقلبات حتى اصطبغ بشيب راس الكاتب .
تعرفت على الصديق جورج منصور خلال حفل توقيع كتابه ( ايفين حفر في الذاكرة ) .. اذ دعاني الاخوة في رواق بغداد وقد تداخلت برؤية معينة وكتبت عن الحفل ثم الكتاب والكاتب .. بما مهد للتواصل مع المؤلف بشكل مستمر .. بعد سنوات عدة اتصل بي الاستاذ منصور داعيا لحضور حفل كتابه الجديد ( غيمري ) في دار المدى بالمتنبي .. بندوة ادارها الاستاذ جاسم الحلفي وبحضور نخبوي اكتظت به القاعة ..
فرحت بنسختي المهداة واخذت التهمها سريعا بشوق لأتطلع عن كثب على حياة سياسي عراقي شيوعي مسيحي سافر بجواز مزور والتحق بموسكو لغرض الدراسة على حساب الحزب في ظروف عصيبة كان العراق يتهيء فيها لدخول مرحلة التفرد والشمولية التي كان الشعب يتحسس بوادرها فيما تعيها القوى السياسية انذاك بتجلي واضح مما جعل الشاب الحالم والطموح والمشبع بروح الثورة وبناء دولة عصرية .. للمسارعة والهرب باي وسيلة خارج قفص يعتقد بانه على طريق احكام قبضة اضلاعه ..
من هنا نشات الفكرة وجاءت الزمالة منقذا مع كل ما اعتراها من خوف وخشية بطش السلطة ورقابتها وكوابحها المتعددة كما افهم من الكاتب .. الا انه بالمحصلة النهائية سافر بطريقة طبيعية بموافقة وامام اعين السلطات وباشراف وتوجيه ورعاية عين الحزب الشيوعي التي كان فيها يمر بمرحلة بناء كوادر مثقفة واعية واعداد جيل قادر على المساهمة في بناء البلد وتاسيس جمهورية ( السعادة ) التي تسودها الديمقراطية والحرية والعدل الاجتماعي في ظل دستور دائم .
ملحمة (غيمري ) لا تختلف كثيرا في اسلوب التناول عما قراته في ( ايفين ) مع انهما يتجهان معا بوجهة مرسومة ويصبان بهدفية واحدة مع تغيير مسارح العرض سواء كانت في عين كاوة او كردستان او موسكو وطهران ودمشق وغيمري وبقية اصقاع العالم التي صال وجال فيها الكاتب منتعشا بالفودكا والجمال و الرحل والترحال متزودا بذروة العلم والتقنية وان تعكر عن بعد بمزاج وهاجس الخشية سواء كانت امنية او غربة اجبارية ..
لم يترك الكاتب صغيرة وكبيرة الا ودونها بأسلوب ادبي روائي عالي الدقة منتقيا لقطاته بانتقائية هادفة تسير بتشابك اذرع نحو شفاه وان ظلت عطشة لكنها متطلعة لعراق حر وشعب سعيد .. هكذا قرأت فحواه وفهمت مقاصده بمعزل عن سرد الاحداث والمشاهد القصصية وما دار بها من علاقات غرامية وملاحم شهوانية واسرار وفواصل سياسية وتحوطات امنية في محطات عالمية لم تكن اعتباطية ولا تلقائية … وان حاول الكاتب جعلها تسير بهدى القدر الرحيم .. في خضم واقع سياسي متخم الاجندات حد الابهام .. لكن الاحداث مهما دارت حول ذات تبدو ( خاصة ) .. الا ان البعد الحزبي والملف السياسي كان يتحرك جنبا الى جنب ولو عن بعد وبعين مستترة ..
هنا تكمن قضية اخرى .. في القراءة والفهم للنص .. ففي غيمري تلك المدينة الاسلامية التاريخية النائية باقصى بقاع المادية المحيطة كان الاهالي يتوقون لتفسير احدث للدين بعد ما عانوا كثيرا – على ما يبدو – من تفسيرات تقليدية تم استغلال بساطة الناس فيها لاغراض شخصية ومنافع ضيقة مما جعلهم يتشبثون حد العشق بزائر يجيد اللغة العربية وطالبوه ان يقرا لهم بعض سور القران ويشرحها من جديد ولو بلسان (مسيحي وشيوعي) .. وضع بموقف حرج وادى واجب اخلاقيا وبعدا انسايا اكثر من كونه دينيا .. فالتف حوله المؤمنون متشبثين مطالبين ان يكون (اماما) لهم بديلا عن امام جامع القرية بعد انتفاضهم عليه لاستغلاله وتفسيراته المجتزئة بصورة جعلته ينتفض لمصالحه الخاصة على حساب دينه … حتى حاول الاطاحة براس الصديق ( او الامام جورج ) .!
جورج منصور بما يحمل من ذاكرة عراقية ثرة وتجارب مشبعة بالمخاطر حد الترسخ وثقافة حضارية وروح انسانية فضلا عن تجربة سياسية مؤسساتية .. وروح ادبية آمل ان تلتفت الحكومات سواء في كردستان او بغداد للافادة منه كما يجب .. كما ادعو المطالعين ( للادب الجورجي ) – اذ تختلط الحزبية والسياسية والثقافية والمواطنة حد الاحساس الصادق باهمية الاصلاح البيئي العراقي – للتمعن بالنصوص والبحث عن مكامن المخبوء بين طياتها اكثر من ظاهرها الفني وان طغت الجزيئيات الخاصة على السياسيات العامة .. وهذه آخر نصيحة او اقتراح قدمتها للصديق الكاتب المتمكن جورج منصور عن ضرورة توحيد الكتابين ( ايفين وغيمري ) كقراءة جديدة للتاريخ بحكمة سياسي خبر الحياة ولحاجة الناس الى التحديث دوما وابدا .. سواء كان عن طريق اماما لمسجد او سياسيا في حزب او مسؤولا في الدولة .. !