كيف نحمي صحتنا النفسية في العراق وإقليم كوردستان؟ – وكالة اخبار المستقبل


د. نزار گزالي، أربيل
مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية في EPU

في ظل التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، تتكاثر السيناريوهات وتتضخم التوقعات. الحديث عن استهداف قيادات عليا، أو احتمال إغلاق مضيق هرمز، أو توسيع رقعة المواجهة واستخدام الوكلاء الإقليميين، بات جزءاً من الخطاب اليومي في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وبين التحليلات والتكهنات، يعيش المواطن في العراق وإقليم كوردستان حالة من القلق المركّب، تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية.

تأخر تشكيل الحكومة، الضبابية في المشهد العام، التهديدات الأمنية التي تطال أربيل، التوترات السياسية في بغداد، وارتفاع سعر الدولار وما يرافقه من غلاء معيشي، كلها عوامل تُثقل كاهل المواطن. ومع تداول شائعات متكررة عن احتمال انهيار اقتصادي أو عجز في دفع الرواتب، تتضاعف حالة القلق، خاصة لدى موظفي الإقليم الذين يعانون أصلاً من تأخر مستحقاتهم المالية.

هذا المشهد المتوتر يتزامن مع شهر رمضان، حيث تحدث تغيرات بيولوجية طبيعية نتيجة الصيام، مثل انخفاض مستوى السكر في الدم، ونقص السوائل، إضافة إلى أعراض انسحاب النيكوتين والكافيين لدى البعض. هذه العوامل تجعل الجهاز العصبي أكثر حساسية، وتخفض عتبة التحمل الانفعالي، فيصبح الفرد أكثر عرضة للغضب أو القلق أو التوتر.

من منظور علم النفس السريري، ما نعيشه اليوم يُصنف كضغط نفسي جمعي مزمن، ناتج عن استمرار التهديدات مع غياب وضوح الأفق. الدماغ البشري مهيأ للتعامل مع الخطر المحدد والمؤقت، لكنه ينهك عندما يظل في حالة تأهب دائم. هنا تظهر أهمية التدخل النفسي التوعوي، ليس كترف، بل كضرورة مجتمعية.

إن أول خطوة في برنامج نفسي وقائي هي تنظيم العلاقة مع الأخبار. التعرض المستمر لسيل التحليلات العاجلة والتنبيهات المتلاحقة يُبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم. من الضروري تخصيص أوقات محددة لمتابعة الأخبار من مصادر موثوقة، والامتناع عن متابعة البث المتواصل لساعات طويلة، خاصة قبل النوم. في هذا السياق، ينبغي التنبيه إلى خطورة الخطاب الإعلامي غير المسؤول الذي يستخدم عبارات مثيرة من قبيل “لا تناموا… ابقوا أعينكم على القناة الفلانية”، وهي جملة تُبقي المتلقي في حالة ترقب وقلق دائمين، وتغذي الأرق والتوتر، وتتنافى مع أبسط مبادئ السلامة النفسية. الإعلام المهني مسؤول عن نقل المعلومة بدقة واتزان، لا عن تأجيج المخاوف من أجل زيادة نسب المشاهدة.

إلى جانب تنظيم التعرض للأخبار، يحتاج الفرد إلى إعادة ضبط بوصلة التفكير. في أوقات الأزمات يميل العقل إلى تضخيم أسوأ السيناريوهات، وكأنها حتميات قادمة. هنا يأتي دور ما يُعرف في العلاج المعرفي بإعادة هيكلة الأفكار؛ أي طرح أسئلة واقعية على الذات: ما مدى دقة هذه المعلومة؟ هل هي مؤكدة أم مجرد توقع؟ ما الاحتمالات الأخرى الممكنة؟ وكيف تعامل المجتمع سابقاً مع أزمات مشابهة؟ هذا النوع من التفكير الواقعي لا ينفي المخاطر، لكنه يمنع الانزلاق إلى التفكير الكارثي الذي يستنزف الطاقة النفسية دون جدوى.

كما أن الحفاظ على روتين يومي مستقر يُعد عاملاً جوهرياً في تعزيز الشعور بالأمان. الانتظام في أوقات النوم، الاهتمام بتغذية متوازنة في السحور والإفطار، شرب كميات كافية من الماء، وتقليل المنبهات تدريجياً، كلها عناصر تدعم التوازن العصبي. النشاط البدني الخفيف، كالمشي اليومي، يسهم في خفض هرمونات التوتر وتحسين المزاج. كذلك فإن الممارسات الروحية في رمضان يمكن أن تتحول إلى مصدر طمأنينة عميقة إذا أُديت بهدوء ووعي، بعيداً عن التوتر والاندفاع.

على المستوى الأسري، ينبغي إدراك أن البيت قد يتحول في أوقات الأزمات إلى مساحة لتفريغ القلق والغضب. من المهم تجنب النقاشات السياسية الحادة والمتكررة داخل المنزل، خاصة أمام الأطفال، لأنهم يلتقطون مشاعر الخوف حتى لو لم يفهموا تفاصيل الأحداث. توفير جو من الحوار الهادئ، والإنصات المتبادل، والقيام بأنشطة عائلية بسيطة، يعزز الإحساس بالأمان العاطفي ويخفف من أثر الضغوط الخارجية.

إن المجتمع العراقي، بمختلف مكوناته، مرّ بتجارب قاسية عبر العقود، وطور قدرة ملحوظة على التكيف والصمود. غير أن الصمود لا يعني تجاهل الألم أو إنكار القلق، بل يعني التعامل معه بوعي وتنظيم. من هنا، تبرز الحاجة إلى مبادرات توعوية نفسية عبر المؤسسات التعليمية، والمساجد، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، تركز على مهارات إدارة التوتر، وتنظيم الانفعال، والتفكير الواقعي، وتطبيع طلب المساعدة النفسية عند الحاجة.

إذا استمرت أعراض مثل الأرق الشديد، أو نوبات الهلع، أو الإحساس الدائم باليأس، أو فقدان الاهتمام بالحياة اليومية لأكثر من أسبوعين، فهذه إشارات تستدعي مراجعة مختص نفسي. طلب الدعم ليس ضعفاً، بل خطوة ناضجة لحماية الذات والأسرة.

إن إدارة الأزمات لا تقتصر على القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل تشمل أيضاً حماية الصحة النفسية للمجتمع. في أوقات الغموض، يصبح الاتزان الداخلي مورداً استراتيجياً. فكلما حافظ الفرد على وعيه وهدوئه، أسهم في تعزيز مناعة المجتمع بأكمله، وجعل من التماسك النفسي خط الدفاع الأول في مواجهة أي احتمال قادم







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *