من أسرار «سرّ الزعفرانة» لبدرية البشر.. – أخبار السعودية

ثمة أسرارٌ في خلطات بعض الكتب، تبني لَبنات صداقتها مع قارئها منذ صفحاتها الأولى. تتنامى فيه مشاعر عميقة، ويُتعبه العثور على كلماتٍ لتوصيفها، فيستسلم إليها فحسب. ذاك حالي وأنا أقرأ سرّ الزعفرانة. وكنت أسأل نفسي: لماذا تمضي هذه الرواية بالذات في إشادة بنيان صداقتنا إلى اكتمال فصوله، ويتنامى حبّي لها ومتعتي بها؟!

تتنامى السكينة في روحي رغم كلّ أسىً طاف بـ(نفلة) أو زعفرانة، وتستمرّ بدرية البشر في إروائي بشراب السكينة حتى الصفحة الأخيرة.

لعلّ السرّ يكمن في الزاوية التي تتلصّص الكاتبة منها على صدر بطلتها (نفلة) تنتقي منه مكنوناً وحيداً يرسخ بعد كل فقد، تُطوّعه ليمنحها القدرة على مواصلة العيش، وترمي بكل ما عداه إلى سلة التغاضي. فما تريده نفلة، بنباهتها وانتباهها، ليس مجرد استمرارية العيش، بل أيضاً ليمنح حياتها معنىً يتجدد ويتعمق إثر كل فقد، هي المدركة بالفطرة أن الحياة لن تسير إلا إلى أمام؛ وحال (نفلة) صورةٌ عن حال البلاد، السعودية!

يقرّر والد نفلة، واعياً ومختاراً، أن يتحرّر من حروب القبائل وغليل الثأر في بيئةٍ تألف حوادث الغزو كركنٍ مقيمٍ في حياتها. غزوةٌ خطفت منه زوجته وأبقت على ولديه، يصحو من جوف حزنه مؤثراً مقاومة الثأر كشرط بقاء له ولولديه، يعلّل نكوصه عن درب الجماعة؛ بحجة أن لديه أحصنة أودعها في كنف صديق، سيروح لاستردادها، بينما هو في واقع الأمر، احتكم إلى عقله ورضي بخسارة زوجته إلى الآن. تفادياً لخسارات جديدة، سيعتني بولديه نفلة وعامر، وبتجارته.

نفلة هي الناجية الراوية. إثر طول تطواف، يصل والدها بها وبأخيها إلى قرية، ليقيموا فيها ويقاسموا أهلها حياتهم.. تتلقفها العبدة «زعفرانة»، كأمٍ بديلة، وترقب نفلة كيف لهذه العبدة، المعطاءة حد الثمالة، أن تستحوذ على محبة أهل القرية بعلم وتطبيب يرفعانها إلى مقام سيدةٍ يحتاج الجميع إلى خدماتها، ونفلة ترقبها وتتعلم وتتدرب كيف تصبح تلميذتها النجيبة.

تؤنسن نفلة نجوم السماء، بنات نعش يبكين أباهن، ونجم سهيل والد بران والثريا والقمر. تنزلهم نفلة من أعالي السماء، لتحزن النجوم وتبكي كما البشر، ومثلهم تشعر بالحرّ والبرد، ولا يستقرّ مزاجها على حال..

وحين تسرد عن وباء الجدري وما حصد، ثم وباء الجراد الذي كاد يجتثّ وجودهم، كواقعٍ ربما طاف بالسعودية في حقبة ما، وهو ما يجد القارئ نفسه مدفوعاً للبحث عنه، وكرمزيةٍ لطرح معضلةٍ تعصف بالبلاد نفسها حين تصحو على وباءٍ لا تنفع معه طرق العلاج القديمة، فلا بدّ إذاً من انتهاج طرق متطورة بما يكفي لتقضي عليه، ما يُسوّغ لوفود فرقٍ مدرّبة، ليس لتقضي على الجراد فحسب، بل أيضاً لتُدرج القرية في منظومة الدولة المعاصرة، وصولاً إلى نظم قوانين الحريات، التي تبتدئ من تحرير العبيد، ما تشهد عليه زعفرانة، وتبدأ بتدريب نفسها على الحرية، إلى أن تنتظم في سلك وظيفةٍ حكوميةٍ، كرمزية أيضاً لضرورة إسهام المرأة في ازدهار النظام الجديد.

لم تصرّح الكاتبة بزمن أحداث الرواية، ثم أعثر في الربع الأخير على بضع جمل لم تكتب اعتباطياً، تشي لي بأن مسؤولية الكاتبة حاضرة في ذهنها، لكنها كانت تتحين المناسبة لإدراجها، حين يبتلى (شجاع)، الشاعر الشجاع والرقيق، بمرض ربما يميته وهو في الثالثة والخمسين، يستذكر أحدٌ ما أنه ولد أيام ثورة عرابي في مصر، وأحسب أنا القارئة بالأرقام: 1919، زمن ثورة عرابي، + 53 لأعرف أننا أصبحنا في منتصف السبعينيات حين تقارب الرواية على اكتمالها، بدأت نساء العاصمة يتخرجن من معهد التعليم ويصبحن معلمات، ولا تعود مهنة التعليم حكراً على موفداتٍ خريجاتٍ من باقي الدول العربية لتعليم البنات في السعودية..

كذلك لا يرد اسم مكانٍ محدد من أراضي السعودية الشاسعة، يقوم عليه فضاء الرواية. لكن رحلة السيارة التي تحمل زعفرانة ونفلة من قريتهما لعلاج نفلة في الرياض تستغرق ساعات للوصول إليها. هنا يستنتج القارئ أنّ تلك القرية (البلا اسم)، تقوم في مكانٍ ناءٍ كثيراً عن العاصمة.

ربما حمّلت الكاتبة نفلة نضجاً وحكمةً أكثر مما يحتمل سنّ اثنتي عشرة سنة، كان يمكن إيرادها بلسان الراوي العليم لا بلسان نفلة الطفلة. وشعرتُ بأن من حق عامر، أخي نفلة، أن يبرّر غيابه عن أخته المكويّة بالفقد، فلا معنى للغياب إن لم يصُغ حكمته ولو بعد حين..

وتنتهي رواية سرّ الزعفرانة بنهاية سعيدة، ولا تخون الرواية قراءها ولا قوانين الحياة بأن الألم سيد العالم، ورفيقنا من الولادة إلى الموت، فهو ما أعتقد أنه سرّ الزعفرانة، الوصفة السحرية لكل سعادة ممكنة؛ إنها فطرة الحب التي ولدت عليها زعفرانة ونفلة وربّتاها مع كل مفرق، وغذّتاها بتعلّم كل مهنة من زرع الأرض بالخضرة الممكنة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *