بقلم / ناصر السلاموني
استوقفتني مفارقة لافتة وأنا أخرج من المسجد؛ إذ رأيت بعض المتسولين يجلسون على أعتابه أو يقفون على أبوابه، يمدّون أيديهم للمصلين بعد انصرافهم من أداء الصلاة، يطلبون المال ويُكثرون من الدعاء لمن يعطيهم. وهنا برز السؤال في ذهني: كيف يتحول الدعاء إلى وسيلة كسب؟ ومن يدعو لمن؟هل من لا يصلى يدعو المصلى.؟
المشهد يحمل تناقضًا مؤلمًا؛ لحظة روحانية خالصة خرج فيها الناس من عبادةٍ تقرّبهم إلى الله، فإذا بهم يواجهون طلبًا دنيويًا مباشرًا عند باب المسجد. لا شك أن في المجتمع فقراء حقيقيين، وعاجزين لا يملكون قوت يومهم، وهؤلاء لهم حق معلوم في أموال القادرين، بل إن رعايتهم واجب شرعي وإنساني لا خلاف عليه. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول السؤال إلى مهنة، وحين تستغل بعض الفئات عاطفة الناس وصفاء نياتهم، بل وتُدار أحيانًا شبكات منظمة تتخذ من المواسم الدينية فرصة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب.
في رمضان تتكرر هذه المشاهد بصورة أوضح، نظرًا لما يتميز به الشهر الكريم من روح إيمانية عالية، وحرص الناس على الصدقات طلبًا للأجر والثواب. غير أن الصدقة، وإن كانت بابًا واسعًا للخير، فإنها في الإسلام ليست عطاءً عشوائيًا، بل عبادة تضبطها الحكمة كما يضبطها الإخلاص.
وقد حذّر الشرع من السؤال بغير حاجة، وجعل العمل والكسب شرفًا وكرامة. وجاء في السنة أن رجلًا سأل النبي ﷺ مالًا، فلم يعطه مباشرة، بل سأله عما يملك، ثم باع له متاعًا بسيطًا، واشترى له قدومًا يحتطب به، وقال له: «اذهب فاحتطب ولا أرينك خمسة عشر يومًا»، فعاد وقد أغناه الله بسعيه. لم يكن هذا الموقف عابرًا، بل كان منهجًا تربويًا عظيمًا يرسخ قيمة العمل، ويحفظ كرامة الإنسان، ويمنع تحويل الحاجة إلى حالة دائمة من الاتكال.
الإسلام يريد للإنسان أن يكون عزيز النفس، لا يمد يده إلا مضطرًا، ولا يجعل الدعاء وسيلة ارتزاق؛ فالدعاء عبادة، والعبادة لا تكون تجارة، كما أن الصدقة إحسان، فلا ينبغي أن تتحول إلى استثمار عاطفي. الدعاء يقوم على الإخلاص واليقين، لا على استدرار التعاطف ولا صناعة المشاهد المؤثرة.
وهنا تتجدد المفارقة: أيدعو السائل للمتصدق، أم أن المتصدق هو الأَولى بأن يسأل الله القبول، وأن يوفقه لوضع عطائه في موضعه الصحيح؟ إن قيمة الصدقة لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالحكمة، كما أن الرحمة لا تنفصل عن الوعي.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالقسوة على المحتاجين، ولا بإغلاق أبواب الصدقات، وإنما بالوعي والتنظيم. توجيه العطاء عبر قنوات موثوقة، وتفعيل دور الزكاة والصدقات المنظمة، ومكافحة الشبكات التي تستغل الفقر، والعمل الجاد على توفير فرص العمل الكريم — كلها خطوات تحمي كرامة الإنسان وتحفظ قدسية دور العبادة في آنٍ واحد.
رمضان ليس موسمًا للتسول، بل موسم لإحياء القيم، وتعميق معاني الكرامة، وتعزيز ثقافة العمل.
ولعل دعاءنا الأصدق في هذا الشهر أن يُغني الله المحتاج عن السؤال، وأن يفتح أبواب الرزق بالحلال، وأن يوفق المجتمع والدولة معًا إلى سُبل تعيد التوازن بين الرحمة والحكمة؛ حتى لا يبقى الدعاء سلعة، ولا تتحول الصدقة إلى وسيلة استغلال، بل تظل عبادة خالصة تُبنى بها المجتمعات وتُصان بها الكرامات.