في زمنٍ تُقاس فيه المواهب بعدد الأهداف والتمريرات، يطلّ أيوب بوعدي كاستثناء نادر؛ شابٌّ يكتب معادلاته على السبورة كما يرسم خطوط اللعب على العشب الأخضر. فإذا كانت قدماه تعزفان سيمفونية هادئة في قلب الملعب، فإن عقله يواصل حلّ مسائل الرياضيات في قاعات الجامعة، وكأن الكرة والكتاب اتفقا على أن يتقاسما موهبته بالتساوي.
فجر اليوم، لم يكن لاعب الوسط المغربي الشاب مجرد اسم في تشكيلة واجهت البرازيل، بل بدا كأنه مهندس المباراة الذي أعاد ترتيب مساراتها، يلتقط الكرات بثقة العالم، ويوزعها بدقة الرياضي، ويقود الإيقاع بهدوء الحكيم. وبينما كانت الجماهير تتابع موهبته وهي تتوهج تحت أضواء ملعب «ميتلايف»، كانت قصة أخرى تلمع خلف المشهد؛ قصة فتى تخطى عاماً دراسياً كاملاً، وحصد الثانوية العلمية بامتياز في السادسة عشرة، وفاز بمسابقة الخطابة في قصر الإليزيه، قبل أن يشق طريقه نحو ملاعب العالم.
إنه أيوب بوعدي.. موهبة لا تجمع بين الذكاء الكروي والذكاء الأكاديمي فحسب، بل تقدم نموذجاً لجيل يصنع مجده بالعقل والموهبة والانضباط، حتى بدا وكأنه يراوغ خصومه في الملعب كما يراوغ المستحيل في الحياة.

رجل المباراة الذي أربك البرازيل
في أول مشاركة له بكأس العالم، ورابع ظهور دولي فقط بقميص المنتخب المغربي، قدّم بوعدي (18 عاماً) أداءً استثنائياً خلال التعادل 1-1 مع البرازيل، ليخطف إعجاب الجماهير والمحللين ووسائل الإعلام الأوروبية، ويؤكد أنه أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم العالمية.
وسط كتيبة برازيلية تضم أسماء بحجم كاسيميرو وبرونو غيماريش ولوكاس باكيتا وفينيسيوس جونيور، لعب بوعدي بثقة لاعب مخضرم، وسيطر على إيقاع وسط الملعب، واستعاد ست كرات، وبلغت دقة تمريراته نحو 90%، بينما بدا خط الوسط البرازيلي عاجزاً عن الحد من تأثيره.
ووصفه المحلل المغربي نور الدين جباري بأنه «رجل المباراة»، قائلاً: «يمتلك موهبة استثنائية وهدوءاً مذهلاً. عندما يواجه المدافعون صعوبات يكون دائماً حاضراً لطلب الكرة ومساندتهم، ولا يختبئ أبداً».
أما أسطورة الكرة الإنجليزية آلان شيرر فاعتبر أن بوعدي وفينيسيوس جونيور كانا أفضل لاعبين في اللقاء بفارق واضح عن بقية اللاعبين، مؤكداً أن لاعب المغرب «هو من قاد الرقص في وسط الملعب».
وقال زميله في المنتخب المغربي نائل العيناوي: «يمتلك نضجاً كبيراً في طريقة لعبه، ونحن محظوظون بانضمامه إلينا».

موهبة خطفها المغرب من فرنسا
لم يكن تألق بوعدي مفاجئاً للمتابعين لمسيرته. فاللاعب المولود في مدينة سانليس الفرنسية لأبوين مغربيين، كان أحد أبرز مواهب المنتخبات السنية الفرنسية، وحمل شارة قيادة منتخب فرنسا للشباب.
لكن الاتحاد المغربي نجح في إقناعه بتمثيل «أسود الأطلس»، ليوافق الاتحاد الدولي لكرة القدم على تغيير جنسيته الرياضية في مايو الماضي، قبل أن يجد نفسه بعد أسابيع قليلة ضمن قائمة المغرب المشاركة في كأس العالم.
والمفارقة أن قصة بوعدي مع المنتخب المغربي بدأت من المدرجات، حين كان طفلاً في العاشرة من عمره سافر إلى روسيا لمتابعة منتخب بلاده في مونديال 2018، قبل أن يصبح بعد ثمانية أعوام أحد نجومه في أكبر محفل كروي عالمي.

الثانوية بامتياز.. والخطابة في الإليزيه
بعيداً عن المستطيل الأخضر، تبدو قصة بوعدي أكثر إثارة.
فمنذ طفولته أظهر تفوقاً دراسياً لافتاً جعله يتجاوز سنة دراسية كاملة، قبل أن يحصل على شهادة الثانوية العلمية الفرنسية بتقدير «ممتاز جداً» وهو في السادسة عشرة من عمره فقط.
ولم يتوقف عند ذلك، إذ يواصل حتى اليوم دراسة الرياضيات في الجامعة عن بُعد بالتوازي مع مسيرته الاحترافية مع ليل الفرنسي والمنتخب المغربي.
كما فاز عام 2023 بمسابقة وطنية فرنسية في فن الخطابة والإلقاء بين أكاديميات كرة القدم، وتسلم جائزته في قصر الإليزيه بحضور بريجيت ماكرون، بعد مداخلة ناقش فيها سؤالاً فلسفياً بعنوان: «هل النتيجة أهم من الطريقة؟».
من قاعات الدراسة إلى ملاعب أوروبا
نشأ بوعدي في مدينة كريل الفرنسية داخل أسرة مغربية، وكان والده حسن بوعدي نائباً سابقاً لرئيس بلدية المدينة، فيما مارس الطفل الموهوب عدداً من الرياضات منذ سنواته الأولى، بينها الجمباز والسباحة والتنس والريشة الطائرة وكرة اليد.
وبدأ ممارسة كرة القدم في الخامسة من عمره مع نادي AFC كريل، قبل انتقاله إلى أكاديمية ليل عام 2021، حيث واصل صعوده السريع متجاوزاً الفئات العمرية المعتادة.
وفي أغسطس 2023 وقّع أول عقد احترافي وهو في الخامسة عشرة من عمره فقط، قبل أن يدخل التاريخ في أكتوبر من العام نفسه عندما أصبح أصغر لاعب يشارك مع ليل في مباراة أوروبية بعمر 16 عاماً وثلاثة أيام.
وبعد عام واحد فقط، خطف الأنظار أمام ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا، ليسهم في فوز تاريخي لفريقه الفرنسي على العملاق الإسباني.

إسبانيا وإنجلترا تحت سحر بوعدي
لم يتوقف الإعجاب عند حدود المغرب. فقد كتبت صحيفة «ماركا» الإسبانية أن بوعدي يملك الشخصية والجودة الفنية التي تجعل منه لاعب الوسط الذي يحتاجه ريال مدريد.
وقال المحلل الفرنسي دانييل ريولو: «لقد فرض نفسه قائداً في وسط الملعب، وتطوره مذهل. إنه من نوعية لاعبي الوسط الذين نعشقهم، ويمتلك كل المقومات للانضمام إلى نادٍ كبير جداً».
أما الجماهير المغربية التي احتشدت في نيويورك، فقد اعتبرت بوعدي النجم الأول للمباراة دون منازع، بعدما جعل أسماء ثقيلة مثل كاسيميرو وباكيتا تبدو عاجزة عن مجاراة إيقاعه.
واليوم، وبينما يستعد لمواجهة إسكتلندا في الجولة القادمة، يبدو أن أيوب بوعدي لا يكتب فقط فصلاً جديداً في قصة منتخب المغرب، بل يرسم ملامح مسيرة لاعب قد يصبح خلال سنوات قليلة أحد أبرز نجوم كرة القدم في العالم؛ لاعبٌ يحمل في حقيبته كتاب الرياضيات، وفي قدميه مفاتيح المستقبل.