في المشهد الشعري السعودي، يبرز الشاعر صالح السهلي بوصفه أحد الأصوات التي جمعت بين أصالة التجربة وعمق التأمل، إذ استطاع أن يصنع حضوره عبر نصوص تنطلق من صدق الشعور واحترام القصيدة قبل البحث عن الأضواء.
وفي هذا الحوار، يفتح السهلي أبواب تجربته الشعرية والإنسانية، متحدثاً عن علاقته بالشعر والحياة، وتأثير المكان في تشكيل وعيه الإبداعي، ورؤيته لتحولات المشهد الشعري في زمن المنصات الرقمية، كما يتناول قضايا تتعلق بشعر «القلطة» والذائقة العامة، ويكشف ملامح الشاعر الذي يسكن خلف النص، وما الذي يتمنى أن يبقى منه في ذاكرة الشعر والناس.
يمضي الشاعر صالح السهلي في بناء صوته الخاص، صوت يرى في الدهشة سبباً للبقاء، وفي الكلمة مسؤولية. بين حائل التي شكّلت ذاكرته الأولى، والمجالس التي صقلت حكمته، والمنصات التي اختبرته أمام الجمهور، يطلّ السهلي هنا ليكشف جانباً من رؤيته للشعر، وللإنسان، وللفن الذي لا يكتبه الشاعر وحده بقدر ما تكتبه الحياة فيه، ومن هنا كانت البداية:
«لكن» تهين ما قبلها
• من صالح السهلي خارج القصيدة.. الرجل أم الشاعر؟
•• ما أنا إلا رجل بسيط، أحاول أن أستتر بلطف الله، والشعر يكتبه الرجل وغير الرجل، ومع أن «لكن» تهين ما قبلها، فقد يتزيّن الرجل في قوله شعراً أو نثراً.
• القصيدة عندك هل هي موقف حياة أم لحظة شعور؟
•• القصيدة شيء آخر؛ قد تكون نافذة تطل على أشياء عميقة في الحياة، وقد تكون باباً يفتح على ممرات من التأمل، أو رصيفاً من التساؤلات عن الوجود، والإيمان، والموت، والحياة.
تأثير على الإنسان والشاعر
• متى تشعر أن البيت الشعري انتصر عليك قبل أن ينتصر للمتلقي؟
•• أي بيت شعري يعرفه الناس ولا يعرفون قائله هو بيت انتصر على الشاعر بمباركة الذائقة.
• حائل في شعرك.. مكان ولادة أم ذاكرة لا تغادر النص؟
•• حائل مدينة يدين لها كل شاعر وُلد على أرضها المغايرة والمختلفة. حائل لها تأثير كبير ومثير على الإنسان الشاعر، كيف لا، وهي التي عُقدت على الجبال وأنجبت الرجال.
العقل «عِقال»
• هل صنعتك المجالس أكثر مما صنعتك الكتب؟
•• في مجالسة الرجال الأوائل في نشأتي، تعلمت أن الذكاء لا يكفي، وأن العقل «عِقال» يقيّد الرجل ويجعله أكثر حلماً وعلماً. قال لي والدي يوماً: «نصف المعرفة ورطة». كانت المجالس مدارس، وفي عقول وتجارب المؤلفين من العلماء الأفذاذ ما يجعلك أكثر وعياً، وأكثر عمراً.
لا أتمنى الرد
• هل تخاف من القصيدة التي تصل للناس أكثر مما تتوقع؟
•• أكثر قصائدي شهرة أقلّها إبداعاً، والعكس صحيح، ولا تسألني: لِمَ.
• أيّهما أقرب لصالح السهلي: شاعر الجماهير أم شاعر النخبة؟
•• هذا سؤال ما كنت أتمنى الرد عليه، وعلى أي حال، شاعر النخبة أقرب إلى ذائقتي.
• هل الشعبية في وسائل التواصل تخدم الشاعر أم تختبر صلابته؟
•• تخدمه وتختبره في الوقت نفسه. الانتشار جميل، لكنه يكشف الشاعر الذي يملك مشروعاً، ويفرقه عن الشاعر الذي يعيش على لحظة عابرة، ويقتات على المناسبات المؤقتة.
بين المنصة والنص
• ما الفرق بين شاعر يكتب للمنصة وشاعر تذهب المنصة إليه؟
•• الأول يطارد التفاعل، والثاني تلاحقه القصيدة. المنصة قد تمنحك حضوراً، أما النص وحده فيمنحك بقاءً.
• هل يخسر الشعر شيئاً حين يتحول إلى مقطع متداول؟
•• قد يخسر عمقه إذا أُخذ منه بيت واحد خارج سياقه، وقد يكسب جمهوراً جديداً. الأمر يعود إلى قوة النص ووعي المتلقي.
• في الغزل.. هل يكتب الشاعر محبوبته أم يكتب تصوره عنها؟
•• يكتب تصوّره عما يميّز هذا الحب، وما الحب إلا وجود ميزة في المحبوب.
الشاعر والمسوّق الذكي
• ما الذي تغيّر في ذائقة الجمهور بين قصيدة المجلس وقصيدة المنصة؟
•• القصيدة واحدة في المجلس والمنصة، ولكل منهما حضور مسرحي مختلف. اليوم الشعر أجمل بكثير من السابق، وهذا يعود إلى المتغيرات؛ فالأدوات اختلفت، وآلة الشعر تجددت ونضجت.
• هل ترى أن الشعر اليوم يحتاج شاعراً قوياً أم مسوّقاً ذكياً؟
•• هذا يعتمد على ذائقة الجمهور، لكن التسويق غير المنصف أفسد الذائقة وأربك العذوبة.
• لو عادت بك البدايات.. ما النصيحة التي تمنحها لصالح السهلي الصغير؟
•• اقرأ أكثر، أسمع أكثر، وأكتب أكثر. سأكون صادقاً معك: هناك قصائد تمنيت لو أنني كتبتها في البدايات، أما الآن فقد ذهب وقتها، وما عاد لكتابتها مبرر.
روح «القلطة» والانجراف
• هل أنقذت وسائل التواصل الشعر من العزلة أم أضعفت ذائقته بالانتشار السريع؟
•• وسائل التواصل خدمت الشعر من جهة الانتشار، ومنحت له جمهوراً أوسع، لكنها في المقابل جعلت بعض النصوص تمر سريعاً دون تذوق حقيقي. المشكلة في طريقة الاستخدام، لا في الوسيلة.
• شعر «القلطة» اليوم.. هل حافظ على روحه الشعبية أم انجرف أحياناً نحو التنافر القبلي؟
•• شعر «القلطة» فن جميل وله حضوره، وحافظ في جوانب كثيرة على روحه، لكنه في بعض المواقف ينجرف إلى تنافر قبلي أو حماس زائد. هنا تظهر مسؤولية الشاعر والجمهور معاً.
• هل يحتاج شعر «القلطة» اليوم إلى ميثاق ذوقي يحفظ الفن من التنافر القبلي؟
•• نعم، يحتاج إلى وعي قبل الميثاق. متى ما اتفق الشعراء والجمهور على أن الفن أكبر من التعصب، سيبقى شعر «القلطة» جميلاً ومحترماً ومؤثراً.
• في جملة واحدة.. ماذا يريد صالح السهلي أن يبقى منه في ذاكرة الشعر؟
•• أريد أن أبقى شاعراً كتب بصدق، واحترم القصيدة، وترك بيتاً يلامس الناس بعد غيابه.