بين الدبلوماسية والأمن… تتهيأ تركيا لحجز موقع في معادلة جنوب لبنان
دلير إبراهيم – أربيل
بين الطموح والواقعية
المعطيات الحالية لا تشير إلى توجه أنقرة لتدخل عسكري تركي في جنوب لبنان، ولكن تبدو مستعدة لاستثمار أي ترتيبات مستقبلية تمنحها دورا ضمن الجهود الدولية الرامية إلى دعم الاستقرار، بما ينسجم مع طموحاتها الإقليمية ويحافظ في الوقت نفسه على توازناتها مع القوى الكبرى.
لبنان أمام ترتيبات جديدة
يشهد الملف اللبناني مرحلة دقيقة مع تصاعد الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، الأمر الذي أعاد فتح باب التساؤلات حول القوى الإقليمية والدولية التي قد يكون لها دور في المرحلة المقبلة. وبينما ينصب الاهتمام غالبا على الولايات المتحدة وفرنسا ودول عربية مؤثرة، تبرز تركيا بوصفها لاعبا إقليميا قد يسعى إلى توسيع حضوره السياسي والدبلوماسي إذا ما توافرت الظروف المناسبة.
رؤية تركية تتجاوز الحدود اللبنانية
تنظر السياسة الخارجية التركية إلى لبنان باعتباره جزءا من المشهد الأمني الأوسع في شرق البحر المتوسط، حيث تتداخل الملفات اللبنانية والسورية وقضايا الطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي.
وتعتبر دوائر سياسية أن تركيا تنطلق من رؤية ترى في استقرار لبنان عنصرا أساسيا لحماية التوازنات الإقليمية، إذ إن أي اضطراب أمني قد ينعكس على الأوضاع في سوريا، ويؤثر في خطوط التجارة والطاقة، فضلا عن تداعياته على ملف الهجرة نحو أوروبا.
وخلال السنوات الأخيرة، عملت أنقرة على ترسيخ صورتها كطرف قادر على الإسهام في إدارة الأزمات الإقليمية، مستفيدة من عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، إلى جانب حضورها المتنامي في الشرق الأوسط. إلا أن هذا التوجه لا يقوم على التحرك المنفرد، بل على المشاركة ضمن أطر دولية تحظى بشرعية قانونية وسياسية.
شروط الانخراط التركي
ورغم تزايد التكهنات، لا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تفيد بأن أنقرة تخطط لإرسال قوات إلى جنوب لبنان أو لتولي أي مهمة أمنية مباشرة، كما لم تصدر عنها مواقف تدعو إلى تعديل مهام قوات الدولية العاملة في جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، فإن أي مساهمة تركية مستقبلية في جنوب لبنان ستظل مرتبطة بعدة اعتبارات، أبرزها وجود طلب رسمي من الحكومة اللبنانية، وتوافر غطاء دولي واضح، إضافة إلى توافق القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف اللبناني.
ولذلك تبدو أنقرة أقرب إلى الانخراط في جهود جماعية منها إلى إطلاق مبادرات منفردة.
من الدعم العسكري إلى الإسناد المؤسسي
إذا ما أتيحت الظروف المناسبة، فمن المرجح أن يتركز الدور التركي في المجالات غير القتالية، مثل دعم قدرات الجيش اللبناني عبر برامج التدريب، والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، وتقديم المساندة الفنية واللوجستية، وربما الإسهام في أي ترتيبات أمنية متعددة الجنسيات قد يتم الاتفاق عليها مستقبلا في إطار دولي.
كما ترى أوساط متابعة أن مشاركة تركيا في المشاورات الإقليمية المتعلقة بأمن الشرق الأوسط، إلى جانب دول الخليج ومصر وقطر وباكستان، قد تمنحها فرصة لتوسيع دورها السياسي في الملف اللبناني، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع مختلف الأطراف، ومن قدرتها على لعب دور الوسيط في بعض القضايا الإقليمية.
توازنات دولية تفرض حدود الدور
مع ذلك، فإن أي تحرك تركي سيظل محكوما بحسابات دقيقة، تتعلق بالدور الأميركي والأوروبي في لبنان، والمكانة التقليدية لفرنسا، إضافة إلى دور الأمم المتحدة وطبيعة الموقف الرسمي اللبناني.
لذلك تبدو أنقرة حريصة على تقديم نفسها كشريك داعم للاستقرار، لا كمنافس للقوى الدولية الفاعلة. ورغم أن القمم والاجتماعات الدولية الأخيرة لم تمنح الملف اللبناني أولوية متقدمة مقارنة بملفات أوكرانيا وغزة وسوريا وإيران، فإن ذلك لا يعني غياب الاهتمام التركي. فأنقرة تواصل مراقبة التطورات عن كثب، في إطار استراتيجيتها الرامية إلى تعزيز حضورها في شرق المتوسط وترسيخ موقعها كقوة إقليمية تمتلك قنوات تواصل مع مختلف الأطراف.