أدباء: التحولات الثقافية تدفع للاستجداء – أخبار السعودية

لم يعد خافياً على متابع، أن التحوّلات في إدارة المشهد الثقافي أربكت كلاسيكيته؛ وغدا التحكّم في الحراك بأيدي أسماء محددة، ما دفع كُتّاباً وأدباء لمملأة قيادات ثقافية؛ والذب عنها، وحرص البعض حثيثاً لتعزيز العلاقة بها، والتودد حد الاستجداء، على أمل الظفر بدعوة أو مشاركة في فعاليات أو طباعة إصدار؛ ولعل هذه الظاهرة ليست خاصة بفضاء دون آخر، وهنا محاولة لتشخيص ظاهرة استجداء أدباء وكُتّاب لمسؤولي الثقافة؛ وتحديد أسبابها، وآلية علاجها.

عد المستشار الثقافي هاشم الجحدلي الموضوع شائكاً ومحيّراً وملتبساً، خصوصاً في العقود الأخيرة، كونه ترسّخت في الأذهان صورة الروّاد وأصحاب القامات العالية، والأثر الكبير، وهم من يتصدّرون المشهد الثقافي، بمشاريعهم الخاصة ومنهم الشيخ حمد الجاسر، وأحمد الزيات، وسهيل إدريس؛ أو عبر المشاريع والمؤسسات التي ترعاها الدول، ويؤكد أننا في حقبة اختلاط الحابل بالنابل، ما أضعف روح المشاريع الخلاقة، وغدت إما تجارية؛ أو ممولة بالكامل وإشكاليتها في منح صلاحيات لهذا، أو ذاك؛ ممن يتوافق الغالبية على ضعف قدراتهم، أو ربما انعدام وجود علاقة بينهم وبين الإبداع الكتابي. ويرى الجحدلي أن موقف الكاتب هنا خاص جداً، فهناك من يرى أنها فرصة ويجب أن تستغل من أجل أن يصل إبداعه إلى الناس ولا بأس بقليل من المجاملة كي ينال جزءاً من الكعكة، وهناك من ينأى بنفسه عن كل هذا ويشتغل على مشاريعه الخاصة إما بقوة علاقاته وحضور اسمه أو بخوض مغامرته الخاصة مع توقع تحمّل الخسارة. وأضاف، الوضع الحالي ليس مثالياً ليكون معياراً، ولكن لكل مبدع خياراته الشخصية في الحضور، ولكل قارئ حريته التامة في التلقي.

وأوضح الروائي عبدالعزيز الصقعبي أنه عندما قرأ السؤال في البدء، اتضح أنه يطرح جدلية العلاقة بين المثقف والمسؤول المثقف، واستعاد كتاب إدوارد سعيد «المثقف والسلطة»، الذي قدّم إجابة مهمة ومفيدة حول العلاقة بين المثقفين والسلطة التي لها نفوذ خاص، مشيراً إلى أنه ربما يجد إجابة سهلة ومقنعة للسؤال لو استعان بالذكاء الاصطناعي، ولفت إلى أن الأمر الأهم هنا؛ يتمثل في سؤال من هو المثقف، وما صفاته، وهل المثقف بثقافته التي امتلكها وعرف بها يصبح له نفوذ، وكيف اكتسبه، ولماذا لم يكتسبه بقية المثقفين، وهل هذا النفوذ يلغي المثقف، أو يجعله يفقد شيئاً من ثقافته التي اتسم بها؛ ليدفعه موقفه للتودّد لمثقف صاحب نفوذ، وهل هنالك من بيده مفاتيح للمشهد الثقافي، وما مدى انتماء المثقف للمشهد الثقافي؟ أعني من هو قائم على منبر ثقافي أو مؤسسة أو جمعية أدبية أو دار نشر. وأضاف الصقعبي، أسئلة كثيرة فكرت بها إثر قراءتي للسؤال، لينبثق سؤال؛ هل المبدع الذي له فعل ثقافي معروف من خلال ما نشره من روايات وأعمال قصصية ومسرحيات ومشاركة في الصحافة الثقافية؟ ويجيب؛ وهنا اسمحوا لي أن أتحدث عن نفسي، وغيري ممن له حضور في عالم النشر والكتابة والمشاركات الثقافية من المبدعين والنقاد والمفكرين الذين يمتلكون ثقافة ملموسة، وتساءل مجدّداً؛ هل كل أولئك بحاجة إلى أن يتودّدوا ويتقربوا ممن يمتلك مفاتيح المشهد الثقافي؟ وهم جزء من هذا المشهد، ولهم عطاء ثقافي ثابت، فماذا يكون عليه المشهد، إن لم يكن تراكمات أعوام طويلة، ويرى أن المفترض العكس، فمن لديه مفاتيح للمشهد الثقافي عليه أن يقدّر تلك المكانة التي حصل عليها هذا الأديب، أو بصورة أعم المثقف، كما على المسؤول عن المؤسسة الثقافية ودار النشر وغيرها، أن يعرف أنه لولا وجود ذلك المثقف الذي له فعل ثقافي من نشر ومساهمة ثقافية لما كانت تلك المؤسسات. ويؤكد الصقعبي أنه يجب ألا يتحكّم بالمشهد الثقافي إلا من هو قادر على إيجاد مساحة خاصة به، ويسهم في حضور وبروز بقية المثقفين الحقيقين والذين قدّموا عطاءً ملموساً. ولفت إلى أنه حين يرد اسم نجيب محفوظ نعرف أنه جزء مهم من المشهد الثقافي المصري، وعبدالفتاح كيليطو جزء مهم من المشهد الثقافي المغربي، وغيرهم كثير في المملكة والوطن العربي والعالم ممن أسهموا في بناء كيان المشهد الثقافي، وابتنوا كينونةً خاصة بهم؛ ولذا غالباً لا يحتاجون إلى كسب ود آخرين يمتلكون مناصب أو نفوذاً، -بالطبع- مع الأخذ بالاعتبار المقامات السياسية والإدارية، والتي تتسم العلاقة بينها وبين المثقف بمبدأ الاحترام والتقدير، بعيداً عن الخنوع والتودّد.

بينما تفترض الكاتبة ريما آل كلزلي أن التودّد في جوهره أسمى ما في العلاقات الإنسانية، باعتباره تعبيراً عن الودّ الخالص بين البشر، شرط ألا تشوبه مصلحة أو منفعة، وتراه قيمة أخلاقية رفيعة ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من تعامل المثقفين، كون الثقافة الحقيقية ترتقي حين تتحلى بالنبل والصدق، لافتةً إلى أنه حين يغدو التودّد أداة كاذبة لتحقيق المصالح، وجسراً لتسويق الرداءة، فإنه يسيء إلى جوهر الأدب، ويختزل قيمته السامية في مكاسب ضيقة. وعدّت المثقف الذي يغالي في التودّد بحثاً عن منفعة شخصية، يتنازل طوعاً عن موضوعيته، وينحدر بأخلاقيات الأدب، ليُسهم في تشويه الإبداع حينما يُحوّله إلى سلعة تُباع وتُشترى، ولا تمثّل روح الأدب الحقيقية، وذهبت إلى أن العلاقات اليوم تؤثر في المشهد الأدبي بصورة غير عادلة، وأضافت، من المؤسف القول إن التودّدات المصلحية تركت بصمة واضحة في الثقافة العربية المعاصرة، بحكم أن الأدب الحق لا يُطوَّع بالأهواء، ولا يخضع لمصالح شخصية، بل ينطلق من الصدق والموضوعية، ليحمل قيم الحياة والإنسانية بصفاء لا يقبل التشويه.

فيما أوضحت الكاتبة فاطمة وهيدي أن كثيراً من المنصات الثقافية تُدار بمنهجية الشِللية، التي تحكم قبضتها على مفاصل الإبداع، وتحوّل الاستحقاق الأدبي والفني من معيار مبني على جودة الإبداع إلى إخضاع المبدع للتودّد للقائمين على هذه المنصات؛ ما يتسبّب في غياب الإبداع وتواري العمل الفني، ليحل محلهما صكّ الولاء والمجاملات المتبادلة، ودعت إلى رصد آلية توجيه الدعوات للمهرجانات، ومعارض الكتاب الدولية، فضلاً عن الندوات والأمسيات، إذ غدت القوائم جاهزة ومُعلبة، ولذا نرى فيها ذات الوجوه المكررة، تنتقل من محفل إلى آخر، ومن منصة إلى ثانية، في استنساخ بائس للمشهد نفسه، وكأن عقماً أصاب الساحة الأدبية! وعدّت ذلك تجاهلاً تاماً ومقصوداً لكثير من المبدعين الحقيقيين، وتغييباً للأصوات الأصيلة التي تُقصى عمداً إن لم تدخل في فلك الشلة، والمتودّدين.

وأرجعت الأزمة إلى غياب المؤسساتية الحقيقية، وانعدام لجان التحكيم النزيهة، وتحوّل إدارة الثقافة إلى إقطاعيات شخصية تُدار بالهوى والمصلحة المتبادلة، وعبّرتْ عن خشيتها على المبدع الذي يرى موهبته وتفانيه لا يقام لها وزناً أمام رداءة مسنودة بـ«شِلّة». وأضافت لربما يتسلل إليه إحباط يدفعه نحو عزلة اختيارية، تفادياً لمباركة مشهد رتيب يتصدّره أشباه المبدعين، وتُخنق فيه أجنحة الإبداع التي تأنف النفاق.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *