بقلم / سجى اللامي
ليست كل الأرقام جامدة فبعضها يحمل بين تفاصيله وجعاً إنسانياً يصعب اختزاله في الإحصاءات. والأرقام المتعلقة بالعنف الأسري في العراق هي من هذا النوع إذ تكشف عن واقع يستحق أن نتوقف عنده طويلاً، ليس بوصفه قضية اجتماعية عابرة، بل باعتباره جرس إنذار يدق أبواب آلاف العائلات.
فقد سجلت وزارة الداخلية أكثر من 9,000 حالة اعتداء من زوج على زوجته، مقابل 2,235 حالة اعتداء من زوجة على زوجها وبين هذين الرقمين تختبئ آلاف القصص التي لم تُروَ، وأسر أنهكتها الخلافات، وأطفال كبروا في بيوت غاب عنها الأمان، فيما تبقى هناك حالات أخرى لا تصل إلى الجهات الرسمية، وتظل حبيسة الجدران خوفاً أو صمتاً أو حفاظاً على ما تبقى من صورة الأسرة،
المؤلم في الأمر أن العلاقة الزوجية لم تخلق لتكون ساحة مواجهة بل وجدت لتكون مساحة سكينة ورحمة فالإنسان، رجلاً كان أم امرأة، حين يرهقه تعب الحياة وقسوة الظروف، يبحث بطبيعته عن كتف يستند إليه، وعن قلب يطمئن إليه، لا عن شريك يتحول الى مصدر للخوف أو الإهانة أو الألم.
ومن الصعب فهم كيف تتحول العلاقة التي تقوم على المودة الى علاقة يغيب عنها الاحترام حتى يصبح بعض الأزواج أو الزوجات يمارسون الأذى بحق أقرب الناس إليهم، فالحب الحقيقي لا ينسجم مع التعنيف ومن يحب شريكه يخشى أن يؤلمه بكلمة فكيف إذا كان الأذى نفسياً أو جسدياً؟ إن من يجد متعة في إيذاء شريك حياته لا يفتقد فقط لمعنى الحب بل يكشف عن أزمة أعمق في وعيه الإنساني والأخلاقي وعن خلل في طريقة تعامله مع العلاقة التي يفترض أن تكون أكثر العلاقات أماناً واستقراراً،
الزواج ليس معركة ينتصر فيها طرف ويهزم آخر، وليس ميداناً لإثبات القوة أو فرض السيطرة،إنه شراكة حقيقية يتقاسم فيها الزوجان مسؤوليات الحياة وأعباءها ويحتميان ببعضهما من قسوة الأيام، لا أن يزيد أحدهما جراح الآخر فالبيت الذي يفقد الاحترام يفقد معه السكينة وتتحول جدرانه الى شاهد صامت على معاناة لا يراها أحد،وما يدعو الى القلق أكثر أن بعض حالات العنف أصبحت تمارس بصورة متكررة حتى بدت وكأنها سلوك اعتيادي لدى البعض في حين أن آثارها النفسية قد تبقى سنوات طويلة ولا تتوقف عند الزوجين بل تمتد الى الأبناء الذين ينشؤون وهم يعتقدون أن العنف جزء طبيعي من الحياة الأسرية،إن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بالقوانين وحدها على أهميتها، بل تبدأ بإعادة ترسيخ ثقافة الاحترام داخل الأسرة وتعزيز الحوار وتعلم إدارة الخلافات بعيداً عن الإهانة أو الضرب أو الانتقام. فالمودة والرحمة ليستا كلمات تقال في عقد الزواج وإنما قيم تمارس كل يوم في المواقف الصغيرة قبل الكبيرة،إن بناء أسرة سليمة لا يحتاج إلى القوة بقدر ما يحتاج الى الوعي، ولا تلى الغلبة بقدر ما يحتاج الى الاحترام فالزوجان خلقا ليكون كل منهما ملاذاً آمناً للآخر لا خصماً يتربص به وعندما يستعيد كل طرف هذه الحقيقة يمكن للبيت أن يعود كما ينبغي أن يكون… وطناً صغيراً يسكنه الحب لا الخوف.