التعليم الطريق الذي يصنع الامم – وكالة اخبار المستقبل


بقلم المهندس رسول العذاري

المقدمة
لم يعد التعليم في القرن الحادي والعشرين مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل أصبح المعيار الحقيقي الذي تُقاس به قوة الأمم وقدرتها على المنافسة والبقاء. فالثروات الطبيعية قد تنضب، والموارد المالية قد تتقلب، أما الإنسان المتعلم فهو الثروة الوحيدة القادرة على إنتاج ثروات جديدة وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
وعندما نتأمل تجارب الأمم نجد أن كثيراً من الدول التي كانت تعاني الفقر والدمار وقلة الموارد استطاعت، خلال عقود قليلة، أن تتحول إلى قوى اقتصادية وعلمية مؤثرة. ولم يكن السر في امتلاكها النفط أو المعادن، بل في قرار استراتيجي جعل التعليم محوراً لكل خطط التنمية. فاستثمرت في المعلم، وطورت المناهج، وربطت التعليم بالبحث العلمي وسوق العمل، فكانت النتيجة نهضة شاملة شملت الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والإدارة.
وفي المقابل، تمتلك دول أخرى إمكانات مالية وبشرية كبيرة، لكنها لم تحقق التقدم المنشود لأن منظومتها التعليمية لم تستطع إعداد الإنسان القادر على التفكير والإبداع والإنتاج، أو لأنها انشغلت بمنح الشهادات أكثر من بناء الكفاءات.
ومن هنا جاءت فكرة هذه الدراسة، التي لا تهدف إلى تمجيد تجربة أو إدانة أخرى، ولا إلى الحنين إلى الماضي أو جلد الحاضر، وإنما إلى فهم التعليم بوصفه مشروعاً وطنياً لصناعة الإنسان. وستحاول الدراسة الإجابة عن أسئلة جوهرية: لماذا نجحت بعض الدول في تحويل التعليم إلى محرك للتنمية؟ وما الفرق بين التعليم الذي يصنع المعرفة والتعليم الذي يكتفي بالتلقين؟ وهل تكفي الشهادة الجامعية وحدها، أم أن المهارة والخبرة لا تقلان أهمية عنها؟
كما تتناول الدراسة تجربة التعليم في العراق، مستعرضةً تطوره التاريخي، ثم التحولات التي شهدها بعد عام 2003، وما رافقها من توسع في المؤسسات التعليمية وتزايد في أعداد الخريجين، مع مناقشة أثر ذلك في جودة التعليم ومخرجاته، إلى جانب التحديات التي تواجه المدارس والجامعات والمعلم والطالب والمناهج، وصولاً إلى علاقة التعليم بسوق العمل وبناء الاقتصاد.
إن هذه الدراسة تنطلق من قناعة راسخة بأن إصلاح التعليم ليس مسؤولية وزارة أو جامعة أو مدرسة فحسب، بل هو مشروع وطني تشترك فيه الدولة والمجتمع والأسرة والقطاع الخاص، لأن مستقبل الأوطان يبدأ من الصف الدراسي، وتقدمها يبدأ من عقل الإنسان.
ولا تدّعي هذه الدراسة امتلاك جميع الإجابات، لكنها تسعى إلى تشخيص الواقع بموضوعية، والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة، وطرح حلول عملية قابلة للتطبيق، إيماناً بأن نهضة العراق لن تتحقق بالموارد الطبيعية وحدها، بل ببناء إنسان يمتلك المعرفة والمهارة، ويؤمن بقيمة العمل، ويستطيع المنافسة في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
فالأمم لا تُبنى بالمباني الشاهقة، ولا بكثرة الشهادات، وإنما تُبنى بعقول قادرة على التفكير، وقلوب تؤمن بالعمل، وتعليم يفتح أبواب المستقبل ولا يكتفي بحفظ الماضي.







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *