«المعمر» و«هيوماين» توسّعان مشروعات الذكاء الاصطناعي إلى 250 ميغاواط


في الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات داخل قطاع التكنولوجيا من سباق الذكاء الاصطناعي وتداعياته الأمنية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا، في خطوة لم تتضح بعد ملامحها المؤسسية أو صلاحياتها، لكنها تعكس تنامي أهمية الذكاء الاصطناعي في السياستين الاقتصادية والأمنية الأميركيَّتين.

وقال ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال» السبت، إنه سيشكِّل «AI Force» على غرار «قوة الفضاء» التي أنشأها خلال ولايته الأولى، مضيفاً أنه سيعلن قريباً عن «قيصر للذكاء الاصطناعي». ولم يحدِّد الرئيس الأميركي موعد إنشاء القوة أو ميزانيتها أو الجهة التي ستتبع لها، كما لم يوضِّح ما إذا كانت ستكون كياناً مدنياً جديداً، أم جزءاً من هيكل حكومي قائم.

ويأتي الإعلان في وقت توجد فيه بالفعل جهات حكومية عدة معنية بالذكاء الاصطناعي، بينها مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، ووزارة التجارة، ووزارة الدفاع، فضلاً عن مكتب رئيسي داخل «البنتاغون» معني بالرقمنة والذكاء الاصطناعي. لذلك تبرز تساؤلات حول الدور الذي ستضيفه القوة الجديدة إلى هذه الأجهزة.

لكن الرسالة السياسية التي حملها إعلان ترمب كانت أوضح من التفاصيل التنظيمية. فقد أكد أن إدارته «لن تعرقل أو تخنق» نمو قطاع الذكاء الاصطناعي، بل ستدعمه وتراقب تطوره، عادّاً أن الذكاء الاصطناعي يمثل «الثورة الصناعية المقبلة» أو ما هو أكبر من ذلك، وقد يصل تأثيره، بحسب تقديره، إلى نحو 25 في المائة من الناتج المحلي الأميركي. كما شدَّد على ضرورة بقاء الولايات المتحدة في المقدمة أمام الصين في هذا المجال.

وتضع هذه الرؤية الذكاء الاصطناعي في قلب المنافسة الأميركية – الصينية، قبل اجتماع مرتقب بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ، حيث يتوقع أن يحضر ملف التكنولوجيا ضمن القضايا المطروحة. ولا يتعلق السباق بالقدرات التجارية وحدها، إذ يرتبط أيضاً بالتفوق في الرقائق ومراكز البيانات والتطبيقات العسكرية والأمن السيبراني.

ترمب يلقي كلمة خلال فعالية للإعلان عن تعريفات جمركية جديدة في أبريل 2025 (أ.ب)

بين تسريع التطوير… وتشديد الرقابة

إعلان «قوة الذكاء الاصطناعي» جاء في توقيت يزداد فيه الضغط على شركات التكنولوجيا والحكومة الأميركية بشأن المخاطر المحتملة للتقنيات الأكثر تقدماً. فقد دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، داريو أمودي، إلى إبطاء وتيرة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، واقترح إجراءات تشمل مزيداً من التنسيق الدولي وتقييماً مستقلاً لسلامة النماذج.

كما حذَّر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، من أن تسارع التطور يمكن أن يؤدي إلى نتائج شديدة السوء، داعياً في الوقت نفسه إلى إطار اتحادي يضع متطلبات سلامة موحدة للذكاء الاصطناعي المتقدم. وأيَّد إيلون ماسك توصيات تتعلق بزيادة الضوابط على القطاع.

وفي بريطانيا، دعا نواب من أحزاب مختلفة إلى تشريع جديد بعدما خلصت لجنة حقوق الإنسان المشتركة في البرلمان إلى أن القوانين الحالية غير مجهَّزة بالكامل للتعامل مع سرعة تطور التكنولوجيا.

وتصاعدت المخاوف بعد تحذيرات من باحثين في القطاع بشأن احتمال وصول النماذج المتقدمة إلى مستويات من القدرة يصعب التحكم فيها. وقال الباحث السابق في «أنثروبيك»، جاكوب كوكسون، إنه ترك الصناعة؛ بسبب مخاوفه من سباق الشركات لبناء أنظمة قد يصبح التحكم فيها أكثر صعوبة.

في المقابل، لا يرى ترمب أن هذه المخاوف تستدعي إبطاء الصناعة. وكان قد وصف في وقت سابق التحذيرات من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة بأنها «خدعة»، بينما قال في منشوره الأخير إن مواجهة الاستخدامات السيئة للتكنولوجيا يمكن أن تتم عبر أنظمة العدالة الجنائية والمدنية القائمة، بدلاً من فرض منظومة تنظيمية جديدة واسعة.

قمة «آفاق الذكاء الاصطناعي» بساحة بيكري سكوير بتاريخ 17 سبتمبر 2026 في بيتسبرغ (أ.ف.ب)

«قيصر» جديد بعد رحيل ديفيد ساكس

وسيكون تعيين «قيصر الذكاء الاصطناعي» هو الثاني من نوعه في إدارة ترمب. فقد تولى المستثمر ديفيد ساكس في وقت سابق دوراً يجمع بين ملفَي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، قبل مغادرته المنصب وانتقاله إلى دور قيادي في مجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتكنولوجيا.

ويأتي الإعلان الجديد وسط خلافات داخل الإدارة بشأن مقدار الرقابة المطلوبة على القطاع. ووفق «وول ستريت جورنال»، انقسم مستشارون بين فريق يركز على مخاطر قدرات النماذج المتقدمة والهجمات السيبرانية، وآخر يدفع باتجاه الحدِّ الأدنى من التنظيم لتجنب إبطاء الشركات الأميركية في منافستها مع الصين.

ويزيد هذا الانقسام من أهمية الدور الذي سيُسند إلى المسؤول الجديد، إذا كان الهدف هو تنسيق سياسة الذكاء الاصطناعي الأميركية، خصوصاً أن عدداً من الوكالات الحكومية يعمل بالفعل على جوانب مختلفة من الملف.

يظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصورة مصغرة للروبوت وعَلم الاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

مراكز البيانات تفتح جبهة أخرى

ولا تقتصر الضغوط على المخاطر التقنية؛ فقد أصبحت مراكز البيانات، التي تحتاج إليها شركات الذكاء الاصطناعي لتشغيل النماذج، موضوعاً متزايد الحساسية داخل الولايات المتحدة؛ بسبب استهلاكها الكبير للطاقة والمياه وتأثيرها في شبكات الكهرباء والمجتمعات المحلية.

وتشير بيانات «غالوب» المنشورة في مايو (أيار) إلى أن 7 من كل 10 أميركيين يعارضون إنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في مناطقهم، بينهم 48 في المائة يعارضون ذلك بشدة.

كما أظهر استطلاع أحدث أجرته «نيويورك تايمز» و«سيينا» في سبتمبر (أيلول) مع 1503 ناخبين محتملين أن 61 في المائة عارضوا إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، بينما أيَّدها بشدة 14 في المائة.

ودافع ترمب عن هذه الاستثمارات، عادّاً مراكز البيانات مصدراً للنمو والوظائف، في وقت تزداد فيه اعتراضات محلية على استهلاكها للموارد وتكاليف الطاقة المرتبطة بها.

وبذلك، تأتي «قوة الذكاء الاصطناعي» في لحظة تتقاطع فيها 3 مسارات: رغبة واشنطن في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي على الصين، وضغوط شركات الذكاء الاصطناعي نفسها لوضع قواعد أو معايير للسلامة، واعتراضات متنامية على البنية التحتية اللازمة لتوسيع الصناعة.

وفي ظلِّ غياب تفاصيل رسمية عن هيكل القوة الجديدة وصلاحيات «قيصر الذكاء الاصطناعي» وتمويل المبادرة، يبقى الإعلان حتى الآن إطاراً سياسياً أكثر منه جهازاً حكومياً قائماً. إلا أن توقيته يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح ملفاً يتجاوز قطاع التكنولوجيا ليحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للولايات المتحدة.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *