عقيلة دبيشي: النصّ الأحادي ضمور للفكر.. والفقهاء والفلاسفة اختلفوا على سُلطة المعرفة – أخبار السعودية

لا يكاد ينتهي الحديث عن الفكر والفلسفة إلا ويبدأ مُجدّداً، وهذا بدهي بحكم أن الفكر والفلسفة يقومان على السؤال الذي يعيد خلق نفسه؛ ولعل الوصول إلى كاتبة ذات أصول فلسفية وأطروحات فكرية بقامة الدكتورة عقيلة دبيشي، يبعثُ التفاؤل في وسطنا الثقافي المتفاعل هذه الأيام مع موضوعات تتطلع لبلوغ مرتبة ذات شأن فكري مؤثر في عالمنا العربي، وضيفة هذه المساحة عصيّة على التوصيف الوظيفي؛ ذلك أنها قدّمتْ خطابات تفكيكية لأفكار وتوجهات جماعات الإسلام السياسي، وهي المثقفة والباحثة في الفلسفة السياسية ودراسات التطرف، وفي إجاباتها ما يعطي تصوّراً عن شخصيتها وأثرها، فإلى نصّ الحوار:

• متى شعرتِ بأهمية الدراسات الفلسفية؟

•• شعرتُ بأهمية الفلسفة حين أدركتُ أن الإنسان بدون سؤال فلسفي: يظلّ محكوماً بالتبعية والجمود. الفلسفة ليست رفاهية فكرية، بل هي درع يقي العقل من الانقياد الأعمى خلف الخرافة والتعصب.

• بماذا تردين على من يقول «ليس هناك امرأة فيلسوفة»؟

•• هذا القول نتاج مركزية ذكورية وتاريخ كُتب بأقلام الرجال. التاريخ الفلسفي مليء بالأسماء؛ من «هيباتيا السكندرية» مروراً بـ«هانا أرندت» و«سيمون دي بوفوار» وصولاً إلى الفيلسوفات المعاصرات. المرأة لم تكن غائبة عن الفكر، بل حُجبت نتاجاتها بفعل البنى الاجتماعية والثقافية التي سادت العصور القديمة والوسطى.

• في البدء كان النص أم كانت الأفكار؟

من الناحية الوجودية (الأنطولوجية) تنشأ الأفكار من التجارب الإنسانية والاحتكاك بالواقع، ثم يأتي النص ليتعالق معها، ويصوغها، ويفتح لها أفقاً جديداً.

• هل يجب أن تكون النصوص إشكالية لتنتج أفكاراً؟

•• نعم. فالنص «المغلق» الذي لا يحتمل إلا معنى أحادياً يصيب الفكر بالضمور. إن السمة الجوهرية للنصوص العظيمة تتمثّل في الإنتاجية التأويلية؛ فالنص الذي يحمل إشكالية ويتقبل تعدد القراءات هو النص الذي يستفز العقل عبر العصور ليولد أفكاراً جديدة ومفاهيم متجددة.

• لماذا ثار الفقهاء على الفلاسفة؟

•• ثورة الفقهاء لم تكن دائماً صراعاً دينياً بحتاً، بل كانت في كثير من الأحيان صراعاً على «سلطة المعرفة» والشرعية الاجتماعية. الفقيه يرى نفسه حارساً للنص وللأخلاق العامة، بينما الفيلسوف يمارس التفكيك والمساءلة. وفي أوروبا القرون الوسطى حاربت الكنيسة الفلاسفة كما حدث مع جوردانو برونو، وغاليليو، لأن الفلسفة بطبيعتها تزعزع السكون.

• أين تكمن خطورة الأفكار، وما مدى تأثرها وتأثيرها في المُقدّس؟

•• تكمن خطورة الفكرة في قدرتها على التفكيك؛ فهي تجعل المألوف غريباً، والمُسلّم به موضوعاً للنقاش. أما في المقدّس، فإن الأفكار تؤثر عبر إزاحة السطحي والتاريخي لتصل إلى الجوهر الإيماني. الخطورة تظهر عندما يُخلط بين «المقدّس في ذاته» وبين «فهم البشر للمقدّس»؛ هنا تُصبح الفلسفة خطراً على المصالح المؤسسية وليس على الإيمان ذاته.

• هل يمكننا بالفلسفة إخضاع النصوص الدينية للتشريح والقراءة التاريخانية؟

•• يمكن للعقل إخضاع النص الديني للتحليل اللغوي والقراءة التاريخانية؛ ودراسة أسباب النزول والظروف السياقية التي رافقت التشريع. لكن يجب التمييز بين: الجانب التاريخي المتغيّر: الأحكام المتعلقة ببيئة معينة، والجانب المطلق الثابت: القيم الأخلاقية والوجودية الكبرى.

• كيف ترين الكتب والأطروحات التي حاولت المصالحة والتوفيق بين العقل والنقل؟

•• مشروعات التوفيق بين العقل والنقل: أراها محاولات إيجابية وشجاعة فرضتها ظروف عصرها (مثل أطروحات ابن رشد، وابن سينا، وفي العصر الحديث محمد عبده). رغم أنها نجحت في دفع التهمة عن العقل، إلا أنها أحياناً وقعت في التكلف، من خلال محاولة إثبات أن الفلسفة تتطابق بالكامل مع النص الديني، بينما لكل منهما أدواته ووظيفته المتميزة.

• من أبرز المفكرين العرب الذين أسسوا منهجاً فلسفياً استفاد منه الغرب؟

•• من أبرز المفكرين العرب الذين تركوا أثراً في الغرب: يقف ابن رشد (Averroes) في المقدمة؛ فمنهجه الشارح والعقلاني لأرسطو، وفصله بين الحقيقة الفلسفية والدينية من حيث المنهج، أسّسا لما يُعرف بالـ«الرشدية اللاتينية» (Averroism) التي كانت حجر الأساس في الشك والعقلانية الأوروبية وإرهاصات النهضة. كما لا يمكن إغفال ابن سينا في العلوم والميتافيزيقا، والفارابي في الفلسفة السياسية.

• هل أخذ الغرب روح الإسلام وترك لنا الجسد؟

•• الغرب استلهم المنهج التجريبي والبحث العلمي والعقلانية التي أزهرت في الحضارة الإسلامية أيام نهضتها. فالغرب لم يسرق الروح، بل نحن من تخلّى عنها عندما أغلقنا باب الاجتهاد.

• كيف تشكّلت الصورة النمطية عن المسلمين في المخيال العربي؟

•• للتاريخ دور محوري؛ فالمخيال الغربي محكوم برواسب الحروب الصليبية، والصراع مع الدولة العثمانية، والاستشراق الذي صور «الشرق» على أنه الآخر الرائع استشراقياً لكنه المريض والخطير سياسياً. أُعيد إنتاج هذه الصور في العصر الحديث لتبرير الاستعمار والسياسات الهيمنية.

• ماذا عن استمراء آليات تحميل تهمة الإرهاب على المسلم؟

•• هذه صناعة أيديولوجية وسياسية. الساسة استخدموها لتبرير التدخلات العسكرية والسيطرة على الثروات، وبعض المثقفين (أصحاب أطروحة «صراع الحضارات») اتخذوا من الإسلام «عدواً بديلاً» عقب سقوط الاتحاد السوفيتي لتجميع الهوية الغربية وخدمة أهداف يمينية.

• ماذا عن قابلية المسلم للتطرف وسبل الاحتواء؟

•• الجمود الفكري، والتهميش الاقتصادي والسياسي، وتقديم قراءات نصوصية متزمتة تُقصي العقل، جعلت بعض الشباب فريسة للتطرف. الاستعادة والاحتواء لا يكونان بالعنف بل بإحياء الفكر النقدي والفلسفي. وتجديد الخطاب الديني ليركز على المقاصد والإنسانية، وتوفير العدالة الاجتماعية والفرص الاقتصادية.

• ما هو المخرج الآمن للمسلم في عالم اليوم؟

•• المخرج ما يُمكّن من الانتقال من عقدة الضحية إلى فاعلية الإنجاز. المسلم يثبت نفسه عندما يسهم في الحضارة الإنسانية بالعلوم، والابتكار، والالتزام بالأخلاق Universal القيمية، مع اعتزازه بهويته دون تقوقع أو صدام مجاني.

• كيف ترين واقع ومستقبل المسلمين والمهاجرين في الغرب؟

•• المسلمون في الغرب يعيشون تجاذباً بين الاندماج الإيجابي وصعود اليمين المتطرف (الذي يغذّي الإسلاموفوبيا). المستقبل مرهون بقدرتهم على تأسيس مواطنة كاملة، وتقديم الإسلام كقيمة مضافة للمجتمعات الغربية، وليس ككيان موازٍ أو معزول.

• ما شرط نجاح دراسة وتدريس الفلسفة عربياً؟

•• الشرط هو الحرية، وتدريس الفلسفة منذ المراحل المبكرة ليس بوصفها «تاريخ أفكار» بل كـ«مهارة تفكير» نقدية تُعلّم الطالب كيف يسأل، ويحلل، ولا يتقبّل الخرافة.

• أين يكمن خطر السلفية الجهادية في عصر الرقمية والذكاء الاصطناعي؟

•• تشهد الجماعات السلفية الجهادية المتطرفة تحولاً بنيوياً في «عصر الرقمية والذكاء الاصطناعي»؛ حيث لم تعد موادها محصورة في الكهوف أو الخطب التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء السيبراني الفائق: عبر توظيفها الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، إذ تستغل هذه الجماعات تقنيات التزييف العميق (Deepfakes) وتوليد المحتوى التلقائي لنشر الأدبيات والتأثير العاطفي على الشباب بسرعة فائقة، مستفيدة من التشفير التام والشبكات المظلمة (Dark Web). ثم لديها التجنيد غير المركزي: إذ حوّلت الرقمية الفكر الجهادي من «تنظيمات هرمية» إلى «شبكات متفرقة» أو «ذئاب منفردة» تتغذى على الغرف المغلقة والتطبيقات المشفرة، مما يجعل ملاحقتها أمنياً وفكرياً أكثر صعوبة، ثم إنه رغم الأدوات الحديثة إلا أن السلفية الجهادية تحمل تناقضاً ذاتياً قاتلاً: هي تستخدم أرقى ما وصلت إليه العقلانية الرقمية لنشر أكثر الأفكار انغلاقاً وتخلفاً. مستقبلاً، ستتحوّل هذه الحركات إلى «كيانات سيبرانية هجينة»، ولن تُهزم إلا بتشجيع التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة، وإبطال أطروحاتها عبر العقل والتفكيك الفلسفي في الفضاء الرقمي نفسه الذي تنتشر فيه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *