بقلم المهندس رسول العذاري
هناك بعض العبارات التي لا تمر علينا مرورًا عابرًا، بل تتوقف داخلنا كأنها طرقت بابًا قديمًا في أعماق النفس. عبارة صغيرة، ربما لا تتجاوز كلمتين أو ثلاث، لكنها تهز طريقة تفكيرنا كاملة. وفي إحدى المرات وقعت عيناي على عبارة: “أنا لست أنت”. لا أعلم لماذا شعرت وقتها أنني أمام شيء أكبر من مجرد جملة عابرة. قرأتها مرة، ثم عدت إليها مرات كثيرة، كأنني أخشى أن تضيع مني، أو كأنني أحاول أن أكتشف السر المختبئ داخلها.شيئًا فشيئًا بدأت أشعر أن هذه العبارة ليست مجرد كلمات، بل فلسفة حياة كاملة. جملة قصيرة جدًا، لكنها تختصر عشرات الكتب في علم النفس والاجتماع والفلسفة والتربية والسياسة وحتى الدين. ومن هنا قررت أن أغوص فيها معكم، لعلنا نستفيد منها جميعًا، وربما تتحول يومًا ما إلى أحد الدساتير الأخلاقية التي تنظم علاقتنا بالآخرين.الحلقة الأولى تبدأ بالمعنى العام للجملة.“أنا لست أنت” تعني ببساطة أن لكل إنسان تكوينه الخاص. أنا أملك مشاعري وتجربتي ونفسيتي وطريقتي في رؤية الحياة، وأنت كذلك. ربما أنا أحب الهدوء، وأجد سعادتي في كتاب وموسيقى هادئة وفنجان قهوة في ليلة مطر، بينما أنت تحب الصخب والحركة والمدن السريعة والأضواء الكثيرة. ربما أنا أميل إلى العزلة أحيانًا، وأنت تجد نفسك بين الناس. هل يعني هذا أن أحدنا صحيح والآخر مخطئ؟ أبدًا. نحن فقط مختلفان.وهنا تكمن المشكلة الكبرى في كثير من صراعات البشر؛ أن كل طرف يظن أن طريقته في الحياة هي النموذج الوحيد الصحيح، ويحاول أن يصب الآخرين داخل قالب يشبهه. الأب يريد ابنه نسخة عنه، والمعلم يريد جميع الطلاب بعقلية واحدة، والسياسي يريد المجتمع أن يفكر كما يفكر، والمتدين أحيانًا يريد من الجميع أن يشعروا ويفهموا الدين بالطريقة نفسها. بينما الحقيقة البسيطة التي نتجاهلها دائمًا هي: “أنا لست أنت”.فهم هذه الفكرة لا يعني الفوضى أو إلغاء القيم، بل يعني احترام الفروقات الإنسانية الطبيعية. يعني أن ندرك أن الناس ليسوا نسخًا مكررة، وأن التنوع ليس تهديدًا بل جزء من جمال الحياة. ولو تأملنا كثيرًا في المجتمعات المتقدمة لوجدنا أن أحد أسرار تطورها هو فهمها العميق لحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ما دام لا يؤذي غيره.حين نفهم هذه الجملة جيدًا، سنصبح أقل رغبة في السيطرة على الآخرين، وأقل عصبية في النقاشات، وأكثر هدوءًا في الحكم على الناس. سنفهم أن اختلاف الأذواق والأفكار والطباع ليس حربًا يجب أن تنتهي بانتصار طرف، بل حقيقة بشرية لا يمكن إلغاؤها.وربما لو تعلم الإنسان منذ طفولته معنى “أنا لست أنت”، لاختفت نصف مشاكل العالم.وللحديث بقية…