بقلم: خضير الكرعاوي
يشكل الارتفاع المتواصل في سعر الدولار الأمريكي أمام الدينار العراقي جرس إنذار اقتصادي يهدد الاستقرار المعيشي ويثقل كاهل المواطنين في ظل سوق استهلاكية تعتمد بصورة شبه كلية على الاستيراد لتغطية الاحتياجات الأساسية. هذا الاختناق المالي يضعنا أمام أسئلة مصيرية حول مآلات الضغوط المعيشية وتآكل القدرة الشرائية، وغلاء السلع الأساسية، والشلل المستشري في الحركة التجارية.
ويبقى التساؤل الأبرز حاضراً وبقوة حول سبب إقدام الدولة العراقية على تزويد المصارف بالسعر الرسمي البالغ 132 ألف دينار، بينما يعبر سعر الدولار في السوق السوداء حاجز الـ 160 ألف دينار، مسجلاً فارقاً يقارب 30 ألف دينار. تعود هذه الفجوة الواسعة إلى عدة أسباب بنيوية وتنظيمية، أبرزها آليات التمويل المعقدة والمنصة الإلكترونية التي أبطأت وصول السيولة الدولارية للتجار الصغار، مما دفعهم نحو السوق الموازية لتلبية التزاماتهم بسرعة. يضاف إلى ذلك نشاط شبكات المضاربة وضعف الثقة، فضلاً عن إجراءات التعرفة الجمركية والضرائب التي ترفع الكلفة الكلية للاستيراد وتتطلب سيولة نقدية مضاعفة.
وتبرز مفارقة أخرى تعمق الأزمة؛ فالدولة لا تسلم الدولار مباشرة للمواطنين سوى للمسافرين بواقع 20 ورقة فقط، أي ما يعادل 2000 دولار، وتقتصر هذه الحصة حصراً على مسافري الدول التي يتطلب السفر إليها الحصول على تأشيرة (فيزا)، بينما تُحرم منها الدول التي يُسافر إليها بدون فيزا مثل إيران وروسيا وسوريا، لتقتصر الاستفادة على المسافرين إلى دول محددة كتركيا والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات وغيرها. هذا الإجراء يطرح علامات استفهام كبرى تدفع للتساؤل المشروع: إذا كانت هذه الآليات محددة بهذه الفوارق، فمن هو المستفيد الحقيقي من هذه الأموال الطائلة التي توزعها الدولة عبر المصارف العراقية؟
لقد أدت هذه السياسات والفجوة القائمة إلى تراجع ملحوظ في حركة المشتريات والقدرة الشرائية للشارع العراقي، لا سيما بالنسبة للمواطن ذي الدخل المحدود كالـموظف الذي يواجه جموداً في راتبه المتوقف عند حده المعتاد، ناهيك عن توقف العلاوات وتوقف الترفيعات للموظفين في عموم الوزارات، وهو مؤشر بالغ الخطورة يهدد الاستقرار المعيشي لشريحة واسعة. وبما أن الاقتصاد العراقي يعتمد استهلاكياً على الخارج، فإن شراء الدولار بسعر السوق الموازية في ظل هذه الظروف ينعكس فوراً وبشكل جنوني على أسعار السلع والمواد الغذائية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد ليتزامن مع أزمات متفرقة تشمل قطاعات الطاقة والبنزين والخدمات، مما جعل المواطن يواجه دوامة متسارعة من الغلاء واختناقاً تجارياً غير مسبوق.
وأمام هذا المشهد القاتم، يبرز التساؤل الملح حول الجهة التي تحمل وزر هذه التداعيات؛ إذ تقع المسؤولية على عاتق السياسات الاقتصادية والمالية التي لم تستطع ردم الهوة بين السعرين الرسمي والموازي، بجانب غياب قاعدة إنتاجية وصناعية محلية تحمي الاقتصاد الريعي من هذه الهزات المتكررة. ويبقى المواطن وحده يتجرع مرارة هذه الأزمات، متسائلاً بحرقة إلى متى يستمر هذا الحال، ومتى يعود التوازن الحقيقي إلى الأسواق العراقية؟