القدس والمقدسات بين صراع الهوية ومحاولات التغيير – وكالة اخبار المستقبل


بقلم / ناصر السلاموني

في خضم الحروب المتلاحقة والانشغال الإقليمي والدولي بأزمات متشابكة، تتسلل على الأرض وقائع لا تقل خطورة عن صوت المدافع، بل قد تكون أشد أثرًا على المدى البعيد. فالمعركة في فلسطين لم تعد فقط صراعًا على الأرض، بل أصبحت – وبشكل متزايد – صراعًا على الهوية، والذاكرة، والرمز الديني والتاريخي.

ما يجري في المسجد الإبراهيمي ليس حادثًا عابرًا، بل يأتي ضمن مسار طويل من الإجراءات التي تستهدف إعادة تشكيل المشهد الديني والتاريخي في فلسطين، وخاصة في القدس. فالمساس بالرموز، وفرض تغييرات على المعالم الدينية، يمثلان مدخلًا لإعادة تعريف الهوية والسيادة على هذه الأماكن.

وفي السياق ذاته، يتعرض المسجد الأقصى لسلسلة متواصلة من الانتهاكات، من أبرزها اقتحامات جماعات من المتطرفين اليهود لساحاته بشكل متكرر، تحت حماية أمنية مشددة. ولم تعد هذه الاقتحامات مجرد حوادث فردية، بل أصبحت سلوكًا ممنهجًا يسعى إلى فرض واقع جديد داخل أحد أقدس الأماكن الإسلامية.

وقد تصاعدت حدة هذه الإجراءات مع مواقف وتصريحات لعدد من المسؤولين الإسرائيليين، من بينهم إيتمار بن غفير، الذي ارتبط اسمه بسياسات أكثر تشددًا تجاه المقدسات الإسلامية، ودعم إجراءات أمنية تقيّد وصول المصلين، خاصة خلال المناسبات الدينية. ولم يتوقف الأمر عند الاقتحامات، بل امتد إلى منع أو تقييد إقامة الشعائر، بما في ذلك التضييق على المصلين، وفرض قيود على دخولهم، وصولًا في بعض الحالات إلى تعطيل صلاة الجمعة أو الحد من أداء الأئمة لدورهم داخل المسجد.

وإذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، نجد أن هذه السياسات لا تنفصل – في نظر كثير من المحللين – عن طبيعة إسرائيل كدولة تحمل بُعدًا دينيًا واضحًا في جزء من توجهاتها السياسية، حيث تتداخل الاعتبارات العقائدية مع الأهداف الاستراتيجية. ويذهب بعض الطرح الفكري إلى أن هناك رؤية لدى التيارات الأكثر تشددًا تسعى إلى تحقيق ما يُعرف بمشروع “إسرائيل الكبرى”، وهو تصور جيوسياسي–ديني يظل محل جدل واسع بين الباحثين، من حيث مدى واقعيته وحدود تأثيره في السياسات الفعلية.

وفي هذا الإطار، تزداد المخاوف من أن تكون هذه التحركات جزءًا من مسار أطول يتقاطع مع أفكار مرتبطة بما يُعرف بـالهيكل، وهي قضية شديدة الحساسية والتعقيد، لما تحمله من أبعاد دينية وسياسية قد تفجر صراعات أوسع.

الأخطر من الحدث ذاته هو التوقيت والسياق؛ إذ تأتي هذه التطورات في ظل حالة من الانشغال العربي والإسلامي بقضايا داخلية وتحديات اقتصادية وسياسية متعددة، ما يضعف من مستوى التركيز الجماعي على ما يحدث في فلسطين، ويجعل التفاعل في كثير من الأحيان محدودًا أو متأخرًا.

إن ما يحدث اليوم يطرح تساؤلات عميقة حول دور الوعي الجمعي، وحدود الفعل الممكن، وكيف يمكن تحويل الاهتمام من ردود فعل آنية إلى استراتيجيات مستدامة لحماية الهوية والمقدسات. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية، والإدراك، والقدرة على التأثير.

ختامًا، تبقى القضية في جوهرها قضية وعي وإرادة؛ فإما أن يُترك الواقع ليتغير تدريجيًا حتى يفقد أصالته، أو أن يكون هناك إدراك جماعي بخطورة ما يحدث، وتحرك يتناسب مع حجم التحدي قبل أن تصبح هذه التحولات أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *