في هذا السياق، يبرز سؤال مهم: كيف تبدو خريطة الحبوب في العالم اليوم؟ وما أبرز التحولات التي طرأت على مواقع الدول المنتجة والمصدرة؟
تشير المعطيات المتاحة إلى أن مجموعة صغيرة من الدول لا تزال تهيمن على سوق الحبوب العالمية، مع تصدّر روسيا لمشهد تصدير القمح بفارق واضح عن منافسيها.
روسيا تتصدر تصدير القمح عالميا
تُعد روسيا في الوقت الراهن المصدر الأول للقمح على مستوى العالم، إذ بلغت صادراتها في الموسم التسويقي 2025/2026 ما يُقدّر بين 44 و48 مليون طن متري، ما يضعها في صدارة الموردين الرئيسيين بفارق كبير عن غيرها. تأتي على هذه الخريطة كيانات ودول أخرى بارزة، من بينها الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا والولايات المتحدة، التي تمثل مجتمعة مصدّري القمح الرئيسيين الآخرين.
للمقارنة، يأتي الاتحاد الأوروبي في المرتبة التالية بنحو 30–35 مليون طن، تليه كندا بما يقارب 29 مليون طن، في حين حافظت روسيا على هيمنتها في مجال تصدير القمح خلال السنوات الأخيرة، مدعومة بحجم إنتاجها الضخم والطلب القوي من الأسواق في أفريقيا والشرق الأوسط.
الإنتاج والتصدير: معايير مشتركة وترتيب مختلف
بشكل عام، تُعد الدول التي تمتلك قطاعات زراعية واسعة النطاق، وظروفًا مناخية ملائمة، وبنية تحتية لوجستية متطورة، هي المنتِج والمصدِّر الرئيسي للحبوب في العالم. في هذا المجال، تبرز روسيا بوصفها منتجا محوريا، خاصة في محصول القمح، حيث يقترب إجمالي إنتاجها من الحبوب، والذي يشمل القمح والذرة والأرز والشعير وحبوبا أخرى، من 120 مليون طن.
اللافت أن ترتيب الدول في فئتي الإنتاج والتصدير ليس متطابقا دائما؛ فبعض الدول ذات الإنتاج الضخم، مثل الصين والهند، تزرع كميات هائلة من الحبوب، لكنها تستهلك معظمها محليا، في حين تبرز دول أخرى كقوى تصديرية كبرى. لهذا فإن خريطة الحبوب العالمية تُظهر أن مجموعة صغيرة من الدول تهيمن على السوق، وأن هذه الدول تُعد لاعبين رئيسيين في مجالي الإنتاج والتصدير معا.
تطور الإنتاج العالمي بين النمو والتقلب
شهد الإنتاج العالمي للحبوب زيادة عامة على مدى السنوات الخمس الماضية، إذ ارتفع من نحو 2.770 مليار طن في موسم 2020/2021 ليصل إلى مستوى قياسي بلغ حوالي 3.041 مليار طن في موسم 2025/2026. يمثل ذلك نموا إجماليا بنحو 10%، رغم أن هذا المسار لم يكن منتظما، حيث سُجّلت تراجعات في بعض السنوات.
يعود النمو العام في إنتاج الحبوب العالمي إلى توسع المساحات المزروعة وارتفاع معدلات الإنتاجية في كل من الصين والهند والبرازيل والولايات المتحدة. في الوقت ذاته، اتسمت هذه الفترة بكونها “حقبة مفاجآت مناخية”؛ إذ تسببت موجات الجفاف والأمطار الغزيرة تارة في انهيار المحاصيل، كما حدث في الاتحاد الأوروبي وروسيا عام 2024، وأدت تارة أخرى إلى تحقيق محاصيل قياسية كما في روسيا عامي 2022 و2025.
الحصاد الروسي: أرقام قياسية وتراجعات وتعافٍ
في روسيا، على سبيل المثال، شهد عام 2022 حصادا قياسيا بلغ 157.6 مليون طن من الحبوب، منها 104.4 مليون طن من القمح، وهو أعلى رقم في تاريخ الاتحاد الروسي وجمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية. تلا ذلك تراجعان متتاليان؛ حيث انخفض المحصول بنحو 10% في عام 2023، وبنسبة 13% إضافية في عام 2024، ليصل إلى 125.9 مليون طن، منها 82.6 مليون طن من القمح، وذلك بسبب ظروف جوية غير مواتية. بعد ذلك، شهد عام 2025 تعافيا قويا؛ حيث بلغ حجم إنتاج الحبوب 141.15 مليون طن، منها 91.1 مليون طن من القمح، وهو ثالث أعلى مستوى مسجل في التاريخ الحديث. أما توقعات عام 2026 فتشير إلى أرقام تتراوح بين 132 و138 مليون طن تقريبا.
المناخ وتجارة الحبوب: تأثير متبادل
من ناحية أخرى، انخفضت تجارة الحبوب العالمية في موسم 2024/2025 إلى أدنى مستوى لها منذ موسم 2019/2020، ما يشير إلى أن الإنتاج نما بوتيرة أسرع من تدفقات الصادرات. يعكس هذا الانخفاض، إلى جانب التقلبات المناخية، حقيقة أن سوق الحبوب العالمية شديدة الحساسية للصدمات المناخية والسياسية.
في حين تتصدر الصين والولايات المتحدة والهند قائمة الدول الأكثر إنتاجا، إلا أن سوق التصدير العالمية تتأثر بشكل أكبر بدول مثل روسيا والولايات المتحدة والبرازيل والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا؛ إذ تُعد هذه الدول المصادر الرئيسية للحبوب في حركة التجارة الدولية. هكذا، فإن خريطة الحبوب العالمية ليست ثابتة، بل تتشكل باستمرار وفق تفاعل الإنتاج والاستهلاك المحلي والسياسات التصديرية والظروف المناخية.
المصدر: روسيا اليوم (RT)