ليست صوتاً ولا شمساً ولا ملكة.. «أصالة» هوية خاصة ومدرسة مستقلة – أخبار السعودية

أصالة أصالة، ليستا كلمتين متجاورتين في مطلع مقال عابر، ولا تكراراً لفظياً يمكن اختصاره إلى كلمة واحدة. فبين الأولى والثانية مسيرة فنية كاملة، ومعنىً تشكّل على امتداد عقود حتى بدا الاسم وكأنه يشرح نفسه بنفسه.

تكفي ثوانٍ قليلة من أي أغنية لتأكيد حقيقة نادرة في المشهد الغنائي العربي النسائي المعاصر هي أن أصالة نصري ليست صوتاً يمكن الخلط بينه وبين غيره، فالأصوات الجميلة كثيرة، والأصوات القوية كثيرة، لكن القليل فقط من يتحوّل صوته وأداؤه ومسرحه إلى هوية فنية مستقلة.

تلك المنطقة التي يصبح فيها الفنان معروفاً قبل أن يُعرّف، وتصبح طريقته في الأداء أكثر حضوراً من الأغنية نفسها.

في بواكير الغناء العربي تحوّلت أم كلثوم إلى مدرسة مستقلة أكثر من كونها مطربة استثنائية، مدرسة قامت على الصرامة الفنية، وعلى تقديس الكلمة واللحن والاسم، وعلى بناء الأغنية بوصفها عملاً متكاملاً. ولم يكن تأثيرها في جمهورها فقط، بل في أجيال كاملة من الفنانات اللواتي وجدن أنفسهن أمام نموذج يصعب تجاوزه.

وفي المقابل تماماً، ظهرت فيروز بوصفها مدرسة أخرى لا تنتمي إلى المنطق الكلثومي ولا تتحرك في فضائه، فإذا كانت أم كلثوم تمثل الجلال الفني والامتلاء الطربي، فإن فيروز تمثل البساطة العميقة والشفافية النادرة الممتنعة.

مدرستان متناقضتان في الشكل، متفقتان في الجوهر؛ هوية واضحة لا تشبه أحداً.

هذه المسألة تحديداً هي ما يجعل تجربة أصالة نصري جديرة بالتوقف عندها. فبعيداً عن الألقاب المتداولة، وبعيداً عن تصنيفات «صوت مصر» أو «صوت سوريا» أو «فنانة العرب» أو «شمس الأغنية»، تبدو أصالة أقرب إلى توصيف آخر أكثر دقة بوصفها مدرسة فنية قائمة بذاتها.

لا تمتلك أصالة صوتاً فحسب، بل شخصية أدائية كاملة، تتنقل بين الألوان الموسيقية المختلفة، والمدارس الغنائية المتعددة، دون أن تفقد ملامحها الخاصة. بل إن اللافت أنها قادرة على إعادة تشكيل الأغنية وفق هويتها هي، لا وفق هوية العمل الأصلي. ولذلك يبقى توقيع أصالة حاضراً حتى عندما تؤدي أعمالاً ارتبطت بأسماء تاريخية كبيرة.أصالة من ذلك النطاق الضيق جداً من الفنانات اللواتي تجاوز حضورهن حدود الأغنية إلى صناعة شخصية فنية متكاملة، تُعرف بنبرتها وأدائها وحضورها قبل أن تُعرف بأعمالها، فحملت إرثها بتقدير كثالث المدارس الفنية في الأغنية العربية النسائية، محتلة مكانة خاصة في الوسط الفني؛ يقف أمام تجربتها كبار الفنانين والموسيقيين بكثير من التقدير والاعتراف، لا بوصفها امتداداً لأحد، بل باعتبارها تجربة مستقلة تمتلك وزنها الفني وقيمتها الخاصة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *