قال ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك لمنصة «بينانس»، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم، إن عمليات سحب الأصول من المنصة عادت إلى مستوياتها الطبيعية، مؤكداً أن الشركة تتمتع بوضع مالي «قوي جداً»، في وقت رفضت فيه كوريا الشمالية الاتهامات الأميركية بالوقوف وراء عملية سرقة أصول مشفرة بقيمة 6.3 مليار دولار استهدفت المنصة.
وتحاول «بينانس» احتواء تداعيات الاختراق، الذي قد يكون الأكبر من نوعه على الإطلاق، بعدما سحب عملاؤها صافي أصول بقيمة 4.72 مليار دولار حتى يوم الاثنين، وأطلقت الشركة حملة ترويجية للحد من خروج الأموال واستقطاب مستخدمين جدد.
وقال تنغ، خلال فعالية «أسبوع هونغ كونغ للتكنولوجيا المالية» يوم الثلاثاء، إن عمليات السحب شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الاختراق، وهو أمر متوقع، لكنها عادت بعد ذلك إلى مستوياتها المعتادة.
وأضاف: «الشركة تتمتع بوضع مالي قوي جداً»، مشيراً إلى أن المنصة أعادت توفير 95 في المائة من الرموز المتضررة، وأنها قادرة على تغطية هذه الخسائر.
وكانت «بينانس» قد قالت في منشور على منصة «إكس»، في وقت سابق الثلاثاء، إن الإيداعات على أساس الساعة تجاوزت عمليات السحب، معتبرة أن ذلك يعكس تحسناً في نشاط المستخدمين واستقرار التدفقات المالية.
وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) قد اتهم، خلال عطلة نهاية الأسبوع، كوريا الشمالية بالمسؤولية عن سرقة أصول مشفرة تتجاوز قيمتها 6 مليارات دولار، في عملية أحدثت صدمة واسعة في قطاع العملات الرقمية.
كوريا الشمالية ترفض الاتهامات
في المقابل، وصفت كيم يو جونغ، الشقيقة النافذة للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الاتهامات الأميركية بأنها «خطاب عبثي»، معتبرة أنها دليل على استمرار واشنطن في نهجها العدائي تجاه بيونغ يانغ، وفق ما نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الرسمية، يوم الثلاثاء.
وقالت كيم إن مكتب التحقيقات الفيدرالي يحاول تصوير كوريا الشمالية على أنها «دولة تمارس الجرائم الإلكترونية»، عبر الادعاء بأن مجموعة قرصنة مدعومة من بيونغ يانغ ضالعة في العملية.
وأضافت أن «الادعاء الأميركي خطاب عبثي وليس جديداً»، ووصفت ما عدّته تضليلاً للرأي العام الدولي، من خلال إظهار كوريا الشمالية وكأنها تقف وراء جميع الجرائم الإلكترونية في أنحاء العالم، بأنه «استفزاز سياسي خطير» ضد بلادها.
ولم تستجب بيونغ يانغ علناً حتى الآن لمبادرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي طرحها في وقت سابق من العام الحالي لاستئناف الدبلوماسية القائمة على عقد القمم. وقالت كيم إن بلادها ستعيد النظر في قضايا لم تحددها، في ضوء ما وصفته بـ«الموقف الأميركي العدائي غير المستساغ».
القرصنة مصدر لتمويل برامج الأسلحة
وتواجه كوريا الشمالية تدقيقاً متزايداً بشأن سرقات العملات المشفرة، التي يرى محللون أنها أصبحت مصدراً رئيسياً لتمويل برامجها العسكرية، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها.
ويقول خبراء الأمن السيبراني إن قراصنة مرتبطين بكوريا الشمالية من بين الأكثر نشاطاً في العالم في سرقة العملات المشفرة، وإن العائدات تساعد البلاد على تمويل تطوير الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية القادرة على استهداف الولايات المتحدة.
ووفق تقديرات شركة «إيليبتك»، المتخصصة في تحليل بيانات «البلوك تشين»، سرقت كوريا الشمالية عملات مشفرة بقيمة 7.6 مليار دولار خلال العام الحالي، وهو رقم يتجاوز أي حصيلة سنوية سابقة.
وتنفي بيونغ يانغ باستمرار الاتهامات بضلوعها في سرقة العملات المشفرة وغيرها من الجرائم الإلكترونية.
ويرى محللون في سيول أن سرعة الرد الكوري الشمالي غير المعتادة تعكس على الأرجح مخاوف من أن تؤدي الاتهامات الأميركية إلى تشديد الإجراءات الرامية إلى تعطيل مصادر الإيرادات التي يُشتبه في استخدامها لتمويل برامج التسلح.
وقال الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأقصى بجامعة كيونغنام، ليم أول تشول، إن سرقة العملات المشفرة أصبحت، في ظل العقوبات القائمة، إحدى القنوات الرئيسية التي تعتمد عليها كوريا الشمالية لتأمين الأموال اللازمة لاستمرار النظام وتطوير الأسلحة.
وأضاف أن فرض الولايات المتحدة إجراءات إضافية تستهدف محافظ العملات المشفرة وشبكات غسل الأموال ومنصات التداول قد يؤدي إلى خنق مصدر مهم للإيرادات.
وقدّر البنك المركزي الكوري الجنوبي الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الشمالية بنحو 47.18 تريليون وون (35.09 مليار دولار) في عام 2025، ما يعني أن قيمة السرقة الأخيرة قد تعادل نحو سدس حجم اقتصاد البلاد.
من جهتها، قالت شركة «تشين أناليسيس»، المتخصصة في تحليل بيانات «البلوك تشين»، إن 89 في المائة من خسائر عمليات الاختراق المرتبطة بالعملات المشفرة خلال عام 2026 تعود إلى كوريا الشمالية، مقارنة بـ15 في المائة خلال عام 2021.
وأوضحت أن متوسط الخسائر المعلنة لكل عملية اختراق ارتفع من 50.65 مليون دولار في عام 2021 إلى 185.65 مليون دولار في العام الحالي.
وقال المدير الأول للخدمات العالمية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في الشركة، أليك زيبريك، إن القراصنة يتجهون بصورة متزايدة إلى استهداف المنصات الكبيرة، التي تتطلب عمليات اختراقها وقتاً وتعقيداً أكبر، لكن عائداتها المحتملة تكون مرتفعة.
«بينانس» توسّع نطاق السحب
وعلى صعيد تداعيات الاختراق، أطلقت «بينانس»، يوم الاثنين، حملة ترويجية تتضمّن استرداد رسوم التداول ومكافآت للمستخدمين المؤهلين الذين يحققون حجم تداول تراكمياً لا يقل عن 10 آلاف دولار، إلى جانب معدلات عائد سنوية تصل إلى 10 في المائة على بعض المنتجات المدرة للعوائد.
ووفقاً لمنشور على موقع الشركة، تستمر حملة «تقدير المجتمع» حتى 21 نوفمبر (تشرين الثاني).
وكانت «بينانس» قد جمّدت عمليات السحب لأكثر من يومين عقب الاختراق، قبل أن تبدأ السماح للعملاء باستعادة أصولهم مجدداً صباح الأحد، على أن توسع نطاق الأصول المتاحة للسحب يوم الثلاثاء.
وقالت الشركة، يوم الاثنين، إن صافي التدفقات الخارجة منذ استئناف عمليات السحب بلغ نحو 3 في المائة من إجمالي الأصول الموجودة على المنصة، وهي نسبة محدودة نسبياً، رأى محللون أنها تشير إلى احتفاظ العملاء بقدر كبير من الثقة بالشركة.
وقال مكسيم ريبا، رئيس قطاع التمويل اللامركزي في بروتوكول «لومبارد» المتخصص في تمويل «بتكوين» والمدعوم من شركة «فرانكلين تمبلتون»، إن رد فعل الأسعار المحدود نسبياً يعكس قدراً من النضج والمرونة في السوق.
وأضاف أن المستثمرين يميزون بين إخفاق أمني في منصة تداول مركزية ووجود مشكلة في شبكة «بتكوين» نفسها.